ذو القعدة.. شهر جليل بصفحات تاريخية مشرقة

ذو القعدة.. شهر جليل بصفحات تاريخية مشرقة

يعيش المسلمون هذه الأيام مع تباشير شهر ذو القعدة، وهو واحد من الأشهر الحرم التي ذكرها الله تعالى في كتابه العزيز، وقد تم تحريم هذا الشهر في الجاهلية لتمكين الناس من السير إلى الحج في أمن وأمان، ويعود أصل تسميته بذي القعدة لقعود الناس عن القتال فيه، ومن أبرز خصائص هذا الشهر، قيام الرسول صلى الله عليه وسلم بجميع عُمراته خلاله ما عدا عمرة واحدة قرنها بحجة الوداع، علما أنه أحرم بها أيضا في نفس هذا الشهر الجليل.

ومن خلال التأمل في المسار الزمني لشهر ذي القعدة منذ فجر الإسلام إلى يومنا هذا، نلاحظ كيف ارتبط هذا الشهر بالعديد من الأحداث التاريخية التي ترسخت في الذاكرة الإسلامية على الخصوص والعالمية بشكل عام، ومن ذلك صلح الحديبية الذي وقع في شهر ذي القعدة سنة 6 هجرية، عندما حاول المشركون صد الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه عن أداء العمرة، فوقع الخلاف وانتهى بصلح سمحوا بموجبه للرسول الكريم بالعودة في السنة الموالية على أن لا يقيم أكثر من ثلاثة أيام، وعلى أن يسود الأمن بينهم وبينه عشر سنين.

وفي نفس الشهر من السنة الموالية، وكنتيجة لما تضمنه صلح الحديبية بين الرسول صلى الله عليه وسلم ومشركي قريش، أدى صلى الله عليه وسلم عمرة القضاء معزَّزاً مكرما بعدما قاضى قريشاً عليها في الحديبية، وهكذا، قصد الرسول الكريم مكة معتمراً، فلما وطئتها قدماه الشريفتان، طاف بالبيت العتيق، وتحلل من العمرة، ثم ما لبث أن تزوج بأم المؤمنين ميمونة بنت الحارث رضي الله عنها وأرضاها.

ومما يثلج الصدر عند النظر في الصفحات المجيدة لتاريخ الإسلام، قيام معركة (الفراض) بين المسلمين وتحالف جيوش الفرس والروم في شهر ذي القعدة سنة 12 هجرية، حيث حقق فيها المسلمون نصرا تاريخيا على أعدائهم بفضل قائد المسلمين خالد بن الوليد الذي لقن جيوشَ الفرس والروم درسا قاسيا على تخوم الشام والعراق والجزيرة العربية، وقد انتهت المعركة بمقتل مائة ألف من جيوش التحالف الرومي الفارسي بإجماع المؤرخين.

وبعد مرور أزيد من ثلاثة قرون على هذا النصر، حقق المسلمون نصرا آخر لا يقل أهمية، ففتحوا بلاد الأندلس، وأعلنوا فيما بعد عن قيام الخلافة الإسلامية فيها، وذلك خلال شهر ذي القعدة سنة 316 هجرية، حيث كان حكام الأندلس الأمويون قبل ذلك يخطبون لأنفسهم بالإمارة، فأُطلق على عبد الرحمن بن محمد لقب "الناصر لدين الله"، وهو ما عزز مكانته داخل وخارج الأندلس، فشاعت هيبته في النفوس والقلوب، وتحققت الخلافة الإسلامية.

ولا تقتصر الصفحات المجيدة لشهر ذي القعدة على ما ذكرناه فحسب، بل تتعداه إلى الكثير من الأحداث التي خلدها المسلمون بمداد من ذهب، والتي لا يسع المجال لذكرها جميعِها، فهنيئا لنا بهذا الشهر، وليجعله الله فاتحة خير على الأمة الإسلامية جمعاء.

مشاركة هذا المقال:

تعليقات