انتقل إلى المحتوى
السبيل

الشرح القديم لـصحيح البخاري ⁦1679⁩

ابن حجر العسقلاني — فتح الباري

قَوْله : ( حَدَّثَنِي عَبْد اللَّه مَوْلَى أَسْمَاء ) هُوَ اِبْن كَيْسَانَ الْمَدَنِيّ يُكْنَى أَبَا عُمَر لَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ سِوَى هَذَا الْحَدِيثِ وَآخَرَ سَيَأْتِي فِي أَبْوَابِ الْعُمْرَةِ وَقَدْ صَرَّحَ اِبْن جُرَيْج بِتَحْدِيثِ عَبْد اللَّه لَهُ هَكَذَا فِي رِوَايَة مُسَدَّد هَذِهِ عَنْ يَحْيَى وَكَذَا رَوَاهُ مُسْلِم عَنْ مُحَمَّد بْن أَبِي بَكْر الْمُقَدِّمِي وَابْن خُزَيْمَة عَنْ بُنْدَارٍ وَكَذَا أَخْرَجَهُ أَحْمَد فِي مُسْنَدِهِ كُلّهمْ عَنْ يَحْيَى وَأَخْرَجَهُ مُسْلِم مِنْ طَرِيقِ عِيسَى بْن يُونُس وَأَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيقِ دَاوُد الْعَطَّار وَالطَّبَرَانِيّ مِنْ طَرِيقِ اِبْن عُيَيْنَة والطَّحَاوِيُّ مِنْ طَرِيقِ سَعِيد بْن سَالِم وَأَبُو نُعَيْمٍ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّد بْن بُكَيْر كُلّهمْ عَنْ اِبْن جُرَيْج وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد عَنْ مُحَمَّد بْن خَلَّادٍ عَنْ يَحْيَى الْقَطَّان عَنْ اِبْن جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاء أَخْبَرَنِي مُخْبِر عَنْ أَسْمَاء وَأَخْرَجَهُ مَالِك عَنْ يَحْيَى بْن سَعِيد عَنْ عَطَاء أَنَّ مَوْلَى أَسْمَاء أَخْبَرَهُ وَكَذَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي خَالِد الْأَحْمَرِ عَنْ يَحْيَى بْن سَعِيد فَالظَّاهِر أَنَّ اِبْن جُرَيْج سَمِعَهُ مِنْ عَطَاء ثُمَّ لَقِيَ عَبْد اللَّه فَأَخَذَهُ عَنْهُ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَوْلَى أَسْمَاء شَيْخ عَطَاء غَيْر عَبْد اللَّه.

قَوْله : ( قَالَتْ فَارْتَحِلُوا ) فِي رِوَايَة مُسْلِم " قَالَتْ اِرْتَحِلْ بِي ".

قَوْله : ( فَمَضَيْنَا حَتَّى رَمَتْ الْجَمْرَةَ ) فِي رِوَايَة اِبْن عُيَيْنَة " فَمَضَيْنَا بِهَا ".

قَوْله : ( يَا هَنْتَاهُ ) أَيْ يَا هَذِهِ وَقَدْ سَبَقَ ضَبْطُهُ فِي " بَاب الْحَجّ أَشْهُر مَعْلُومَات ".

قَوْله : ( مَا أُرَانَا ) بِضَمِّ الْهَمْزَةِ أَيْ أَظُنُّ وَفِي رِوَايَة مُسْلِمٍ بِالْجَزْمِ " فَقُلْت لَهَا لَقَدْ غَلَّسْنَا " وَفِي رِوَايَة مَالِك " لَقَدْ جِئْنَا مِنًى بِغَلَس " وَفِي رِوَايَة دَاوُد الْعَطَّار " لَقَدْ اِرْتَحَلْنَا بِلَيْل " وَفِي رِوَايَة أَبِي دَاوُد " فَقُلْت إنَّا رَمَيْنَا الْجَمْرَة بِلَيْلٍ وَغَلَّسْنَا " أَيْ جِئْنَا بِغَلَس.

قَوْله : ( أَذِنَ لِلظُّعُنِ ) بِضَمِّ الظَّاءِ الْمُعْجَمَةِ جَمْعُ ظَعِينَة وَهِيَ الْمَرْأَةُ فِي الْهَوْدَجِ ثُمَّ أُطْلِقَ عَلَى الْمَرْأَةِ مُطْلَقًا وَفِي رِوَايَة أَبِي دَاوُد الْمَذْكُورَةِ " إِنَّا كُنَّا نَصْنَعُ هَذَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " وَفِي رِوَايَة مَالِك " لَقَدْ كُنَّا نَفْعَلُ ذَلِكَ مَعَ مَنْ هُوَ خَيْر مِنْك " تَعْنِي النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَاسْتُدِلَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى جَوَاز الرَّمْي قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ عِنْدَ مَنْ خَصَّ التَّعْجِيل بِالضَعَفَةِ وَعِنْدَ مَنْ لَمْ يُخَصِّصْ وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ الْحَنَفِيَّة فَقَالُوا : لَا يَرْمِي جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ إِلَّا بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ فَإِنْ رَمَى قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَبَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ جَازَ وَإِنْ رَمَاهَا قَبْلَ الْفَجْرِ أَعَادَهَا وَبِهَذَا قَالَ أَحْمَدُ وَإسْحَاقُ وَالْجُمْهُورُ وَزَاد إِسْحَاق " وَلَا يَرْمِيهَا قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ " وَبِهِ قَالَ النَّخَعِيّ وَمُجَاهِد وَالثَّوْرِيّ وَأَبُو ثَوْر وَرَأَى جَوَاز ذَلِكَ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ عَطَاء وَطَاوُس وَالشَّعْبِيّ وَالشَّافِعِيّ وَاحْتَجَّ الْجُمْهُورُ بِحَدِيثِ اِبْن عُمَر الْمَاضِي قَبْلَ هَذَا وَاحْتَجَّ إِسْحَاق بِحَدِيثِ اِبْن عَبَّاس " أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِغِلْمَان بَنِي عَبْد الْمَطْلَب : لَا تَرْمُوا الْجَمْرَةَ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ " وَهُوَ حَدِيث حَسَنٌ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ والطَّحَاوِيّ وَابْن حِبَّانَ مِنْ طَرِيقِ الْحَسَنِ الْعُرَنِيِّ - وَهُوَ بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ الرَّاءِ بَعْدَهَا نُونٌ - عَنْ اِبْن عَبَّاس وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ والطَّحَاوِيّ مِنْ طُرُق عَنْ الْحَكَمِ عَنْ مِقْسَمٍ عَنْهُ وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد مِنْ طَرِيق حَبِيب عَنْ عَطَاء وَهَذِهِ الطُّرُق يُقَوِّي بَعْضهَا بَعْضًا وَمِنْ ثَمَّ صَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْن حِبَّانَ. وَإِذَا كَانَ مَنْ رُخِّصَ لَهُ مُنِعَ أَنْ يَرْمِيَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ فَمَنْ لَمْ يُرَخَّصْ لَهُ أَوْلَى. وَاحْتَجَّ الشَّافِعِيّ بِحَدِيثِ أَسْمَاء هَذَا. وَيُجْمَعُ بَيْنَهُ وَبَيْن حَدِيث اِبْن عَبَّاس بِحَمْلِ الْأَمْرِ فِي حَدِيثِ اِبْن عَبَّاس عَلَى النَّدْب وَيُؤَيِّدُهُ مَا أَخْرَجَهُ الطَّحَاوِيّ مِنْ طَرِيقِ شُعْبَة مَوْلَى اِبْن عَبَّاس عَنْهُ قَالَ " بَعَثَنِي النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَ أَهْلِهِ وَأَمَرَنِي أَنْ أَرْمِيَ مَعَ الْفَجْرِ " وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِر. السُّنَّةُ أَنْ لَا يَرْمِيَ إِلَّا بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ كَمَا فَعَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا يَجُوزُ الرَّمْي قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ لِأَنَّ فَاعِلَهُ مُخَالِف لِلسُّنَّةِ وَمَنْ رَمَى حِينَئِذ فَلَا إِعَادَةَ عَلَيْهِ إِذْ لَا أَعْلَمُ أَحَدًا قَالَ لَا يُجْزِئُهُ. وَاسْتُدِلَّ بِهِ أَيْضًا عَلَى إِسْقَاط الْوُقُوف بِالْمَشْعَرِ الْحَرَام عَنْ الضَّعَفَةِ وَلَا دَلَالَةَ فِيهِ لِأَنَّ رِوَايَة أَسْمَاء سَاكِتَة عَنْ الْوُقُوفِ وَقَدْ بَيَّنَتْهُ رِوَايَةُ اِبْن عُمَر الَّتِي قَبْلَهَا. وَقَدْ اِخْتَلَفَ السَّلَفُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَكَانَ بَعْضهمْ يَقُولُ : وَمَنْ مَرَّ بِمُزْدَلِفَة فَلَمْ يَنْزِلْ بِهَا فَعَلَيْهِ دَم وَمَنْ نَزَلَ بِهَا ثُمَّ دَفَعَ مِنْهَا فِي أَيِّ وَقْتٍ كَانَ مِنْ اللَّيْلِ فَلَا دَمَ عَلَيْهِ وَلَوْ لَمْ يَقِفْ مَعَ الْإِمَامِ. وَقَالَ مُجَاهِد وقَتَادَة وَالزُّهْرِيّ وَالثَّوْرِيّ : مَنْ لَمْ يَقِفْ بِهَا فَقَدْ ضَيَّعَ نُسُكًا وَعَلَيْهِ دَم وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَة وَأَحْمَد وَإِسْحَاق وَأَبِي ثَوْر وَرُوِيَ عَنْ عَطَاء وَبِهِ قَالَ الْأَوْزَاعِيّ لَا دَمَ عَلَيْهِ مُطْلَقًا وَإِنَّمَا هُوَ مَنْزِلٌ مَنْ شَاءَ نَزَلَ بِهِ وَمَنْ شَاءَ لَمْ يَنْزِلْ بِهِ. وَرَوَى الطَّبَرِيّ بِسَنَد فِيهِ ضَعْف عَنْ عَبْد اللَّه بْن عَمْرو مَرْفُوعًا " إِنَّمَا جَمْع مَنْزِل لِدَلْج الْمُسْلِمِينَ " وَذَهَب اِبْن بِنْت الشَّافِعِيّ وَابْن خُزَيْمَة إِلَى أَنَّ الْوُقُوفَ بِهَا رُكْن لَا يَتِمُّ الْحَجُّ إِلَّا بِهِ وَأَشَارَ اِبْن الْمُنْذِر إِلَى تَرْجِيحِهِ , وَنَقَلَهُ اِبْن الْمُنْذِر عَنْ عَلْقَمَةِ وَالنَّخَعِيّ , وَالْعَجَبُ أَنَّهُمْ قَالُوا مَنْ لَمْ يَقِفْ بِهَا فَاتَهُ الْحَجُّ وَيُجْعَلْ إِحْرَامه عُمْرَة وَاحْتَجَّ الطَّحَاوِيّ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَذْكُرْ الْوُقُوفَ وَإِنَّمَا قَالَ ( فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَام وَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ مَنْ وَقَفَ بِهَا بِغَيْرِ ذِكْر أَنَّ حَجَّهُ تَامّ فَإِذَا كَانَ الذِّكْر الْمَذْكُور فِي الْكِتَابِ لَيْسَ مَنْ صُلْب الْحَجّ فَالْمَوْطِن الَّذِي يَكُونُ الذِّكْرُ فِيهِ أَحْرَى أَنْ لَا يَكُونُ فَرْضًا. قَالَ : وَمَا اِحْتَجُّوا بِهِ مِنْ حَدِيثِ عُرْوَة بْن مُضَرِّس - وَهُوَ بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْمُعْجَمَة وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ الْمَكْسُورَةِ بَعْدَهَا مُهْمَلَة - رَفَعَهُ قَالَ " مَنْ شَهِدَ مَعَنَا صَلَاة الْفَجْر بِالْمُزْدَلِفَةِ وَكَانَ قَدْ وَقَفَ قَبْلَ ذَلِكَ بِعَرَفَة لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ " لِإِجْمَاعِهِمْ أَنَّهُ لَوْ بَاتَ بِهَا وَوَقَفَ وَنَامَ عَنْ الصَّلَاةِ فَلَمْ يُصَلِّهَا مَعَ الْإِمَامِ حَتَّى فَاتَتْهُ أَنَّ حَجَّهُ تَامّ اِنْتَهَى. وَحَدِيث عُرْوَة أَخْرَجَهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ وَصَحَّحَهُ اِبْن حِبَّانَ وَالدَّارَقُطْنِيّ وَالْحَاكِم وَلَفْظ أَبِي دَاوُد عَنْهُ " أَتَيْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْمَوْقِفِ - يَعْنِي بِجْمَعٍ - قَلَتْ جِئْت يَا رَسُول اللَّهِ مِنْ جَبَلِ طَيِّئٍ فَأَكْلَلْت مَطِيَّتِي وَأَتْعَبْتُ نَفْسِي وَاللَّه مَا تَرَكْت مِنْ حَبْلٍ إِلَّا وَقَفْت عَلَيْهِ فَهَلْ لِي مِنْ حَجّ ؟ فَقَالَ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَنْ أَدْرَكَ مَعَنَا هَذِهِ الصَّلَاةَ وَأَتَى عَرَفَات قَبْلَ ذَلِكَ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ وَقَضَى تَفَثه " وَلِلنَّسَائِيِّ " مَنْ أَدْرَكَ جَمْعًا مَعَ الْإِمَامِ وَالنَّاسِ حَتَّى يُفِيضُوا فَقَدْ أَدْرَكَ الْحَجّ وَمَنْ لَمْ يُدْرِكْ مَعَ الْإِمَامِ وَالنَّاسِ فَلَمْ يُدْرِكْ " وَلِأَبِي يَعْلَى " وَمَنْ لَمْ يُدْرِكْ جَمْعًا فَلَا حَجَّ لَهُ " وَقَدْ صَنَّفَ أَبُو جَعْفَر الْعُقَيْلِيّ جُزْءًا فِي إِنْكَارِ هَذِهِ الزِّيَادَةِ وَبَيَّنَ أَنَّهَا مِنْ رِوَايَة مُطَرِّف عَنْ الشَّعْبِيِّ عَنْ عُرْوَةَ وَأَنْ مُطَرِّفًا كَانَ يَهِمُ فِي الْمُتُونِ , وَقَدْ اِرْتَكَبَ اِبْن حَزْم الشَّطَط فَزَعَمَ أَنَّهُ مَنْ لَمْ يُصَلِّ صَلَاة الصُّبْحِ بِمُزْدَلِفَة مَعَ الْإِمَامِ أَنَّ الْحَجَّ يَفُوتُهُ اِلْتِزَامًا لِمَا أَلْزَمَهُ بِهِ الطَّحَاوِيّ , وَلَمْ يَعْتَبِرْ اِبْنُ قُدَامَة مُخَالَفَته هَذِهِ فَحَكَى الْإِجْمَاع عَلَى الْإِجْزَاءِ كَمَا حَكَاهُ الطَّحَاوِيّ , وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ يَجِبُ بِتَرْكِ الْوُقُوفِ بِهَا دَم لِمَنْ لَيْسَ بِهِ عُذْر وَمِنْ جُمْلَةِ الْأَعْذَارِ عِنْدَهُمْ الزِّحَام.

العودة إلى الحديث

الأحد، 11 أكتوبر 2026 30 ربيع الآخر 1448 هـ