انتقل إلى المحتوى
السبيل

الشرح القديم لـصحيح البخاري ⁦1987⁩

ابن حجر العسقلاني — فتح الباري

قَوْله : ( حَدَّثَنَا يَحْيَى ) هُوَ الْقَطَّان وَسُفْيَان هُوَ الثَّوْرِيُّ وَمَنْصُور هُوَ اِبْن الْمُعْتَمِرِ وَإِبْرَاهِيمُ هُوَ النَّخَعِيُّ وَعَلْقَمَةُ خَالُهُ. وَهَذَا الْإِسْنَادُ مِمَّا يُعَدُّ مِنْ أَصَحِّ الْأَسَانِيدِ.

قَوْله : ( هَلْ كَانَ يَخْتَصُّ مِنْ الْأَيَّامِ شَيْئًا : قَالَتْ لَا ) قَالَ اِبْن التِّين : اِسْتَدَلَّ بِهِ بَعْضُهُمْ عَلَى كَرَاهَة تَحَرِّي صِيَام يَوْم مِنْ الْأُسْبُوع , وَأَجَابَ الزَّيْن بْن الْمُنَيِّر بِأَنَّ السَّائِل فِي حَدِيث عَائِشَة إِنَّمَا سَأَلَ عَنْ تَخْصِيص يَوْمٍ مِنْ الْأَيَّامِ مِنْ حَيْثُ كَوْنُهَا أَيَّامًا , وَأَمَّا مَا وَرَدَ تَخْصِيصُهُ مِنْ الْأَيَّام بِالصِّيَامِ فَإِنَّمَا خُصِّصَ لِأَمْرٍ لَا يُشَارِكُهُ فِيهِ بَقِيَّةُ الْأَيَّامِ كَيَوْمِ عَرَفَةَ وَيَوْمِ عَاشُورَاءَ وَأَيَّام الْبِيض وَجَمِيع مَا عُيِّنَ لِمَعْنًى خَاصٍّ. وَإِنَّمَا سَأَلَ عَنْ تَخْصِيص يَوْم لِكَوْنِهِ مَثَلًا يَوْمَ السَّبْتِ , وَيُشْكِلُ عَلَى هَذَا الْجَوَاب صَوْمُ الِاثْنَيْنِ وَالْخَمِيس فَقَدْ وَرَدْت فِيهِمَا أَحَادِيثُ وَكَأَنَّهَا لَمْ تَصِحَّ عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ فَلِهَذَا أَبْقَى التَّرْجَمَةَ عَلَى الِاسْتِفْهَام , فَإِنْ ثَبَتَ فِيهِمَا مَا يَقْتَضِي تَخْصِيصَهُمَا اُسْتُثْنِيَ مِنْ عُمُوم قَوْل عَائِشَة لَا. قُلْت : وَرَدَ فِي صِيَام يَوْم الِاثْنَيْنِ وَالْخَمِيس عِدَّةُ أَحَادِيثَ صَحِيحَةٍ , مِنْهَا حَدِيث عَائِشَة أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيُّ وَصَحَّحَهُ اِبْن حِبَّانَ مِنْ طَرِيق رَبِيعَةَ الْجَرْشِيّ عَنْهَا وَلَفْظُهُ " أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَتَحَرَّى صِيَام الِاثْنَيْنِ وَالْخَمِيس " وَحَدِيث أُسَامَة " رَأَيْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَصُوم يَوْم الِاثْنَيْنِ وَالْخَمِيس , فَسَأَلْته فَقَالَ : إِنَّ الْأَعْمَال تُعْرَضُ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ وَالْخَمِيس , فَأُحِبُّ أَنْ يُرْفَعَ عَمَلِي وَأَنَا صَائِم " أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَصَحَّحَهُ اِبْن خُزَيْمَةَ , فَعَلَى هَذَا فَالْجَوَاب عَنْ الْإِشْكَال أَنْ يُقَال : لَعَلَّ الْمُرَاد بِالْأَيَّامِ الْمَسْئُولِ عَنْهَا الْأَيَّامُ الثَّلَاثَةُ مِنْ كُلّ شَهْرٍ , فَكَأَنَّ السَّائِلُ لَمَّا سَمِعَ أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " كَانَ يَصُوم ثَلَاثَة أَيَّام " وَرَغِبَ فِي أَنَّهَا تَكُون أَيَّام الْبِيضِ سَأَلَ عَائِشَةَ : هَلْ كَانَ يَخُصُّهَا بِالْبِيضِ ؟ فَقَالَتْ " لَا , كَانَ عَمَلُهُ دِيمَةً " تَعْنِي لَوْ جَعَلَهَا الْبِيض لَتَعَيَّنَتْ وَدَاوَمَ عَلَيْهَا , لِأَنَّهُ كَانَ يُحِبُّ أَنْ يَكُون عَمَلُهُ دَائِمًا , لَكِنْ أَرَادَ التَّوَسُّعَةَ بِعَدَمِ تَعَيُّنِهَا فَكَانَ لَا يُبَالِي مِنْ أَيِّ الشَّهْرِ صَامَهَا كَمَا تَقَدَّمَتْ الْإِشَارَةُ إِلَيْهِ فِي " بَابُ صِيَامُ الْبِيضِ " وَأَنَّ مُسْلِمًا رَوَى مِنْ حَدِيث عَائِشَة أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " كَانَ يَصُوم مِنْ كُلّ شَهْر ثَلَاثَة أَيَّام , وَمَا يُبَالِي مِنْ أَيّ الشَّهْرِ صَامَ " وَقَدْ أَوْرَدَ اِبْنُ حِبَّانَ حَدِيث الْبَاب وَحَدِيث عَائِشَة فِي صِيَام الِاثْنَيْنِ وَالْخَمِيس وَحَدِيثهَا " كَانَ يَصُوم حَتَّى نَقُول لَا يُفْطِر " وَأَشَارَ إِلَى أَنَّ بَيْنَهُمَا تَعَارُضًا وَلَمْ يُفْصِحْ عَنْ كَيْفِيَّة الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا , وَقَدْ فَتَحَ اللَّه بِذَلِكَ بِفَضْلِهِ.

قَوْلُهُ : ( يَخْتَصُّ ) فِي رِوَايَة جَرِيرٍ عَنْ مَنْصُور فِي الرِّقَاقِ " يَخُصُّ " بِغَيْرِ مُثَنَّاةٍ.

قَوْله : ( دِيمَةً ) بِكَسْرِ أَوَّلِهِ وَسُكُونِ التَّحْتَانِيَّةِ أَيْ دَائِمَةً , قَالَ أَهْل اللُّغَة : الدِّيمَةُ مَطَرٌ يَدُومُ أَيَّامًا , ثُمَّ أُطْلِقَتْ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ يَسْتَمِرُّ.

قَوْله : ( وَأَيُّكُمْ يُطِيقُ ) فِي رِوَايَة جَرِيرٍ " يَسْتَطِيعُ " فِي الْمَوْضِعَيْنِ وَالْمَعْنَى مُتَقَارِبٌ.

العودة إلى الحديث

الأحد، 11 أكتوبر 2026 30 ربيع الآخر 1448 هـ