قَوْله : ( حَدَّثَنَا أَصْبَغ ) بِفَتْحِ الْهَمْزَة وَكَأَنَّ الْبُخَارِيّ اِخْتَارَ الرِّوَايَة عَنْهُ لِهَذَا الْحَدِيث لِقَوْلِهِ " الْمَسْح عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَنْ أَكَابِر أَصْحَابه فِي الْحَضَر أَثْبَت عِنْدنَا وَأَقْوَى مِنْ أَنْ نَتْبَع مَالِكًا عَلَى خِلَافه ". وَعَمْرو هُوَ اِبْن الْحَارِث , وَهُوَ وَمَنْ دُونه ثَلَاثَة مِصْرِيُّونَ , وَاَلَّذِينَ فَوْقه ثَلَاثَة مَدَنِيُّونَ , وَالْإِسْنَاد رِوَايَة تَابِعِيّ عَنْ تَابِعِيّ : أَبُو النَّضْر عَنْ أَبِي سَلَمَة , وَصَحَابِيّ عَنْ صَحَابِيّ.
قَوْله : ( وَأَنَّ عَبْد اللَّه ) هُوَ مَعْطُوف عَلَى قَوْله عَنْ عَبْد اللَّه بْن عُمَر فَهُوَ مَوْصُول إِذَا حَمَلْنَاهُ عَلَى أَنَّ أَبَا سَلَمَة سَمِعَ ذَلِكَ مِنْ عَبْد اللَّه وَإِلَّا فَأَبُو سَلَمَة لَمْ يُدْرِك الْقِصَّة , وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَحْمَد مِنْ طَرِيق أُخْرَى عَنْ أَبِي النَّضْر عَنْ أَبِي سَلَمَة عَنْ اِبْن عُمَر قَالَ : " رَأَيْت سَعْد بْن أَبِي وَقَّاص يَمْسَح عَلَى خُفَّيْهِ بِالْعِرَاقِ حِين تَوَضَّأَ فَأَنْكَرْت ذَلِكَ عَلَيْهِ , فَلَمَّا اِجْتَمَعْنَا عِنْد عُمَر قَالَ لِي سَعْد : سَلْ أَبَاك " فَذَكَرَ الْقِصَّة. وَرَوَاهُ اِبْن خُزَيْمَةَ مِنْ طَرِيق أَيُّوب عَنْ نَافِع عَنْ اِبْن عُمَر نَحْوه وَفِيهِ أَنَّ عُمَر قَالَ " كُنَّا وَنَحْنُ مَعَ نَبِيّنَا نَمْسَح عَلَى خِفَافنَا لَا نَرَى بِذَلِكَ بَأْسًا ".
قَوْله : ( فَلَا تَسْأَل عَنْهُ غَيْره ) أَيْ لِقُوَّةِ الْوُثُوق بِنَقْلِهِ , فَفِيهِ دَلِيل عَلَى أَنَّ الصِّفَات الْمُوجِبَة لِلتَّرْجِيحِ إِذَا اِجْتَمَعَتْ فِي الرَّاوِي كَانَتْ مِنْ جُمْلَة الْقَرَائِن الَّتِي إِذَا حَفَّتْ خَبَر الْوَاحِد قَامَتْ مَقَام الْأَشْخَاص الْمُتَعَدِّدَة , وَقَدْ يُفِيد الْعِلْم عِنْد الْبَعْض دُون الْبَعْض , وَعَلَى أَنَّ عُمَر كَانَ يَقْبَل خَبَر الْوَاحِد , وَمَا نُقِلَ عَنْهُ مِنْ التَّوَقُّف إِنَّمَا كَانَ عِنْد وُقُوع رِيبَة لَهُ فِي بَعْض الْمَوَاضِع , وَاحْتَجَّ بِهِ مَنْ قَالَ بِتَفَاوُتِ رُتَب الْعَدَالَة وَدُخُول التَّرْجِيح فِي ذَلِكَ عِنْد التَّعَارُض , وَيُمْكِن إِبْدَاء الْفَارِق فِي ذَلِكَ بَيْن الرِّوَايَة وَالشَّهَادَة , وَفِيهِ تَعْظِيم عَظِيم مِنْ عُمَر لِسَعْدٍ , وَفِيهِ أَنَّ الصَّحَابِيّ الْقَدِيم الصُّحْبَة قَدْ يَخْفَى عَلَيْهِ مِنْ الْأُمُور الْجَلِيَّة فِي الشَّرْع مَا يَطَّلِع عَلَيْهِ غَيْره ; لِأَنَّ اِبْن عُمَر أَنْكَرَ الْمَسْح عَلَى الْخُفَّيْنِ مَعَ قَدِيم صُحْبَته وَكَثْرَة رِوَايَته , وَقَدْ رَوَى قِصَّته مَالِك فِي الْمُوَطَّأ عَنْ نَافِع وَعَبْد اللَّه بْن دِينَار أَنَّهُمَا أَخْبَرَاهُ " أَنَّ اِبْن عُمَر قَدِمَ الْكُوفَة عَلَى سَعْد وَهُوَ أَمِيرهَا فَرَآهُ يَمْسَح عَلَى الْخُفَّيْنِ فَأَنْكَرَ ذَلِكَ عَلَيْهِ فَقَالَ لَهُ سَعْد سَلْ أَبَاك " فَذَكَرَ الْقِصَّة. وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون اِبْن عُمَر إِنَّمَا أَنْكَرَ الْمَسْح فِي الْحَضَر لَا فِي السَّفَر لِظَاهِرِ هَذِهِ الْقِصَّة , وَمَعَ ذَلِكَ فَالْفَائِدَة بِحَالِهَا. وَاَللَّه أَعْلَم
قَوْله : ( وَقَالَ مُوسَى بْن عُقْبَة ) هَذَا التَّعْلِيق وَصَلَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ وَغَيْره بِهَذَا الْإِسْنَاد , وَفِيهِ ثَلَاثَة مِنْ التَّابِعِينَ عَلَى الْوِلَاء أَوَّلهمْ مُوسَى , وَمُوسَى وَأَبُو النَّضْر قَرِينَانِ مَدَنِيَّانِ.
قَوْله : ( أَنَّ سَعْدًا حَدَّثَهُ ) أَيْ : حَدَّثَ أَبَا سَلَمَة , وَالْمُحَدَّث بِهِ مَحْذُوف تَبَيَّنَ مِنْ الرِّوَايَة الْمَوْصُولَة أَنَّ لَفْظه " أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ ".
قَوْله : ( فَقَالَ ) هُوَ مَعْطُوف عَلَى الْمُقَدَّر.
قَوْله : ( نَحْوه ) بِالنَّصْبِ لِأَنَّهُ مَقُول الْقَوْل , وَظَهَرَ أَنَّ قَوْل عُمَر فِي هَذِهِ الرِّوَايَة الْمُعَلَّقَة بِمَعْنَى الرِّوَايَة الَّتِي وَصَلَهَا الْمُؤَلِّف لَا بِلَفْظِهَا. وَقَدْ وَصَلَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ أَيْضًا مِنْ طَرِيق أُخْرَى عَنْ مُوسَى بْن عُقْبَة وَلَفْظه " وَأَنَّ عُمَر قَالَ لِعَبْدِ اللَّه - أَيْ : اِبْنه كَأَنَّهُ يَلُومهُ - إِذَا حَدَّثَك سَعْد عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَا تَبْتَغِ وَرَاء حَدِيثه شَيْئًا.