قَوْله : ( عَنْ أَبِي الزِّنَاد ) كَذَا هُوَ فِي الْمُوَطَّأ , وَلِمَالِك فِيهِ إِسْنَاد آخَر رَوَاهُ أَيْضًا عَنْ إِسْحَاق بْن أَبِي طَلْحَة عَنْ أَنَس أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ.
قَوْله : ( يَضْحَك اللَّه إِلَى رَجُلَيْنِ ) فِي رِوَايَة النَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيق اِبْن عُيَيْنَةَ عَنْ أَبِي الزِّنَاد " أَنَّ اللَّه يَعْجَب مِنْ رَجُلَيْنِ " قَالَ الْخَطَّابِيُّ : الضَّحِك الَّذِي يَعْتَرِي الْبَشَر عِنْدَمَا يَسْتَخِفّهُمْ الْفَرَح أَوْ الطَّرَب غَيْر جَائِز عَلَى اللَّه تَعَالَى , وَإِنَّمَا هَذَا مَثَل ضُرِبَ لِهَذَا الصَّنِيع الَّذِي يَحِلّ مَحَلّ الْإِعْجَاب عِنْد الْبَشَر فَإِذَا رَأَوْهُ أَضْحَكهُمْ , , وَمَعْنَاهُ الْإِخْبَار عَنْ رِضَا اللَّه بِفِعْلِ أَحَدهمَا وَقَبُوله لِلْآخَرِ وَمُجَازَاتهمَا عَلَى صَنِيعهمَا بِالْجَنَّةِ ثُمَّ اِخْتِلَاف حَالَيْهِمَا , قَالَ : وَقَدْ تَأَوَّلَ الْبُخَارِيّ الضَّحِك فِي مَوْضِع آخَر عَلَى مَعْنَى الرَّحْمَة وَهُوَ قَرِيب , وَتَأْوِيله عَلَى مَعْنَى الرِّضَا أَقْرَب , فَإِنَّ الضَّحِك يَدُلّ عَلَى الرِّضَا وَالْقَبُول , قَالَ : وَالْكِرَام يُوصَفُونَ عِنْدَمَا يَسْأَلهُمْ السَّائِل بِالْبِشْرِ وَحُسْن اللِّقَاء , فَيَكُون الْمَعْنَى فِي قَوْله " يَضْحَك اللَّه " أَيْ يُجْزِل الْعَطَاء. قَالَ وَقَدْ يَكُون مَعْنَى ذَلِكَ أَنْ يُعَجِّبَ اللَّهُ مَلَائِكَتَهُ وَيُضْحِكَهُمْ مِنْ صَنِيعهمَا , وَهَذَا يَتَخَرَّج عَلَى الْمَجَاز وَمِثْله فِي الْكَلَام يَكْثُر. وَقَالَ اِبْن الْجَوْزِيّ : أَكْثَر السَّلَف يَمْتَنِعُونَ مِنْ تَأْوِيل مِثْل هَذَا وَيُمِرُّونَهُ كَمَا جَاءَ وَيَنْبَغِي أَنْ يُرَاعَى فِي مِثْل هَذَا الْإِمْرَار اِعْتِقَاد أَنَّهُ لَا تُشْبِه صِفَات اللَّه صِفَات الْخَلْق , وَمَعْنَى الْإِمْرَار عَدَم الْعِلْم بِالْمُرَادِ مِنْهُ مَعَ اِعْتِقَاد التَّنْزِيه. قُلْت : وَيَدُلّ عَلَى أَنَّ الْمُرَاد بِالضَّحِكِ الْإِقْبَال بِالرِّضَا تَعْدِيَته بِإِلَى تَقُول : ضَحِكَ فُلَان إِلَى فُلَان إِذَا تَوَجَّهَ إِلَيْهِ طَلِق الْوَجْه مُظْهِرًا لِلرِّضَا عَنْهُ.
قَوْله : ( يَدْخُلَانِ الْجَنَّة ) زَادَ مُسْلِم مِنْ طَرِيق هَمَّام عَنْ أَبِي هُرَيْرَة " قَالُوا كَيْفَ يَا رَسُول اللَّه " ؟.
قَوْله : ( يُقَاتِل هَذَا فِي سَبِيل اللَّه فَيُقْتَل ) زَادَ هَمَّام فَيَلِج الْجَنَّة , قَالَ اِبْن عَبْد الْبَرّ : مَعْنَى هَذَا الْحَدِيث عِنْد أَهْل الْعِلْم أَنَّ الْقَاتِل الْأَوَّل كَانَ كَافِرًا. قُلْت : وَهُوَ الَّذِي اِسْتَنْبَطَهُ الْبُخَارِيّ فِي تَرْجَمَته , وَلَكِنْ لَا مَانِع أَنْ يَكُون مُسْلِمًا لِعُمُومِ قَوْله " ثُمَّ يَتُوب اللَّه عَلَى الْقَاتِل " كَمَا لَوْ قَتَلَ مُسْلِم مُسْلِمًا عَمْدًا بِلَا شُبْهَة ثُمَّ تَابَ الْقَاتِل وَاسْتُشْهِدَ فِي سَبِيل اللَّه , وَإِنَّمَا يَمْنَع دُخُول مِثْل هَذَا مَنْ يَذْهَب إِلَى أَنَّ قَاتِل الْمُسْلِم عَمْدًا لَا تُقْبَل لَهُ تَوْبَة , وَسَيَأْتِي الْبَحْث فِيهِ فِي تَفْسِير سُورَة النِّسَاء إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى , وَيُؤَيِّد الْأَوَّل أَنَّهُ وَقَعَ فِي رِوَايَة هَمَّام " ثُمَّ يَتُوب اللَّه عَلَى الْآخَر فَيَهْدِيه إِلَى الْإِسْلَام " وَأَصْرَح مِنْ ذَلِكَ مَا أَخْرَجَهُ أَحْمَد مِنْ طَرِيق الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيد بْن الْمُسَيِّب عَلَى أَبِي هُرَيْرَة بِلَفْظِ " قِيلَ كَيْفَ ؟ يَا رَسُول اللَّه ؟ قَالَ : يَكُون أَحَدهمَا كَافِرًا فَيَقْتُل الْآخَر ثُمَّ يُسْلِم فَيَغْزُو فَيُقْتَل ".
قَوْله : ( ثُمَّ يَتُوب اللَّه عَلَى الْقَاتِل فَيُسْتَشْهَد ) زَادَ هَمَّام " فَيَهْدِيه إِلَى الْإِسْلَام , ثُمَّ يُجَاهِد فِي سَبِيل اللَّه فَيُسْتَشْهَد " قَالَ اِبْن عَبْد الْبَرّ : يُسْتَفَاد مِنْ هَذَا الْحَدِيث أَنَّ كُلّ مَنْ قُتِلَ فِي سَبِيل اللَّه فَهُوَ فِي الْجَنَّة.