انتقل إلى المحتوى
السبيل

الشرح القديم لـصحيح البخاري ⁦2964⁩

ابن حجر العسقلاني — فتح الباري

قَوْله : ( قَالَ عَبْد اللَّه ) أَيْ اِبْن مَسْعُود , وَهَذَا الْإِسْنَاد كُلّه كُوفِيُّونَ.

قَوْله : ( أَتَانِي الْيَوْم رَجُل ) لَمْ أَقِف عَلَى اسْمِه.

قَوْله : ( مُؤْدِيًا ) بِهَمْزَةٍ سَاكِنَة وَتَحْتَانِيَّة خَفِيفَة أَيْ كَامِل الْأَدَاء أَيْ أَدَاة الْحَرْب , وَلَا يَجُوز حَذْف الْهَمْزَة مِنْهُ لِئَلَّا يَصِير مِنْ أَوْدَى إِذَا هَلَكَ. وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ : مَعْنَاهُ قَوِيًّا , وَكَأَنَّهُ فَسَرَّهُ بِاللَّازِمِ. وَقَوْله " نَشِيطًا " بِنُونِ وَبِمُعْجَمَة مِنْ النَّشَاط.

قَوْله : ( نَخْرُج مَعَ أُمَرَائِنَا ) كَذَا فِي الرِّوَايَة بِالنُّونِ مِنْ قَوْله نَخْرُج , وَعَلَى هَذَا فَالْمُرَاد بِقَوْلِهِ رَجُلًا أَحَدنَا , أَوْ هُوَ مَحْذُوف الصِّفَة أَيْ رَجُلًا مِنَّا , وَعَلَى هَذَا عَوَّلَ الْكَرْمَانِيُّ لِأَنَّ السِّيَاق يَقْتَضِي أَنْ يَقُول مَعَ اِمْرَأَته , وَفِيهِ حِينَئِذٍ اِلْتِفَات. وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون بِالتَّحْتَانِيَّةِ بَدَل النُّون وَفِيهِ أَيْضًا اِلْتِفَات.

قَوْله : ( لَا نُحْصِيهَا ) أَيْ لَا نُطِيقهَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى ( عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ ) وَقِيلَ لَا نَدْرِي أَهِيَ طَاعَة أَمْ مَعْصِيَة , وَالْأَوَّل مُطَابِق لِمَا فَهِمَ الْبُخَارِيّ فَتَرْجَمَ بِهِ , وَالثَّانِي مُوَافِق لِقَوْلِ اِبْن مَسْعُود " وَإِذَا شَكَّ فِي نَفْسه شَيْء سَأَلَ رَجُلًا فَشَفَاهُ مِنْهُ " , أَيْ مِنْ تَقْوَى اللَّه أَنْ لَا يَقْدُم الْمَرْء عَلَى مَا يَشُكّ فِيهِ حَتَّى يَسْأَل مَنْ عِنْده عِلْم فَيَدُلّهُ عَلَى مَا فِيهِ شِفَاؤُهُ. وَقَوْله " شَكَّ نَفْسه فِي شَيْء " مِنْ الْمَقْلُوب , إِذْ التَّقْدِير : وَإِذَا شَكَّ نَفْسه فِي شَيْء , أَوْ ضَمّنَ شَكَّ مَعْنَى لَصِقَ , وَالْمُرَاد بِالشَّيْءِ مَا يَتَرَدَّد فِي جَوَازه وَعَدَمه. وَقَوْله " حَتَّى يَفْعَلهُ " غَايَة لِقَوْلِهِ " لَا يَعْزِم " أَوْ لِلْعَزْمِ الَّذِي يَتَعَلَّق بِهِ الْمُسْتَثْنَى وَهُوَ مَرَّة. وَالْحَاصِل أَنَّ الرَّجُل سَأَلَ اِبْن مَسْعُود عَنْ حُكْم طَاعَة الْأَمِير فَأَجَابَهُ اِبْن مَسْعُود بِالْوُجُوبِ بِشَرْطِ أَنْ يَكُون الْمَأْمُور بِهِ مُوَافِقًا لِتَقْوَى اللَّه تَعَالَى.

قَوْله : ( مَا غَبَرَ ) بِمُعْجَمَةٍ وَمُوَحَّدَة مَفْتُوحَتَيْنِ أَيْ مَضَى , وَهُوَ مِنْ الْأَضْدَاد يُطْلَق عَلَى مَا مَضَى وَعَلَى مَا بَقِيَ , وَهُوَ هُنَا مُحْتَمَل لِلْأَمْرَيْنِ. قَالَ اِبْن الْجَوْزِيّ : هُوَ بِالْمَاضِي هُنَا أَشْبَهَ كَقَوْلِهِ " مَا أَذْكُر ". وَالثَّغْب بِمُثَلَّثَةِ مَفْتُوحَة وَمُعْجَمَة سَاكِنَة وَيَجُوز فَتْحهَا. قَالَ الْقَزَّاز : وَهُوَ أَكْثَر , وَهُوَ الْغَدِير يَكُون فِي ظِلّ فَيَبْرُد مَاؤُهُ وَيَرُوق , وَقِيلَ هُوَ مَا يَحْتَفِرهُ السَّيْل فِي الْأَرْض الْمُنْخَفِضَة فَيَصِير مِثْل الْأُخْدُود فَيَبْقَى الْمَاء فِيهِ فَتَصْفِقهُ الرِّيح فَيَصِير صَافِيًا بَارِدًا , وَقِيلَ هُوَ نَفْرُم فِي صَخْرَة يَبْقَى فِيهَا الْمَاء كَذَلِكَ ; فَشَبَّهَ مَا مَضَى مِنْ الدُّنْيَا بِمَا شُرِبَ مِنْ صَفْوه , وَمَا بَقِيَ مِنْهَا بِمَا تَأَخَّرَ مِنْ كَدَرِهِ. وَإِذَا كَانَ هَذَا فِي زَمَان اِبْن مَسْعُود وَقَدْ مَاتَ هُوَ قَبْل مَقْتَل عُثْمَان وَوُجُود تِلْكَ الْفِتَن الْعَظِيمَة فَمَاذَا يَكُون اِعْتِقَاده فِيمَا جَاءَ بَعْد ذَلِكَ وَهَلُمَّ جَرَّا ؟ وَفِي الْحَدِيث أَنَّهُمْ كَانُوا يَعْتَقِدُونَ وُجُوب طَاعَة الْإِمَام , وَأَمَّا تَوَقُّف اِبْن مَسْعُود عَنْ خُصُوص جَوَابه وَعُدُوله إِلَى الْجَوَاب الْعَامّ فَلِلْإِشْكَالِ الَّذِي وَقَعَ لَهُ مِنْ ذَلِكَ , وَقَدْ أَشَارَ إِلَيْهِ فِي بَقِيَّة حَدِيثه , وَيُسْتَفَاد مِنْهُ التَّوَقُّف فِي الْإِفْتَاء فِيمَا أُشْكِلَ مِنْ الْأَمْر كَمَا لَوْ أَنَّ بَعْض الْأَجْنَاد اِسْتَفْتَى أَنَّ السُّلْطَان عَيَّنَهُ فِي أَمْر مَخُوف بِمُجَرَّدِ التَّشَهِّي وَكَلَّفَهُ مِنْ ذَلِكَ مَا لَا يُطِيق , فَمَنْ أَجَابَهُ بِوُجُوبِ طَاعَة الْإِمَام أَشْكَلَ الْأَمْر لِمَا وَقَعَ مِنْ الْفَسَاد , وَإِنْ أَجَابَهُ بِجَوَازِ الِامْتِنَاع أَشْكَلَ الْأَمْر لِمَا قَدْ يُفْضِي بِهِ ذَلِكَ إِلَى الْفِتْنَة , فَالصَّوَاب التَّوَقُّف عَنْ الْجَوَاب فِي ذَلِكَ وَأَمْثَاله. وَاللَّهُ الْهَادِي إِلَى الصَّوَاب.

العودة إلى الحديث

الأحد، 11 أكتوبر 2026 30 ربيع الآخر 1448 هـ