انتقل إلى المحتوى
السبيل

الشرح القديم لـصحيح البخاري ⁦3495⁩

ابن حجر العسقلاني — فتح الباري

قَوْله : ( النَّاس تَبَع لِقُرَيْشٍ ) بِمَعْنَى الْأَمْر , وَيَدُلّ عَلَيْهِ قَوْله فِي رِوَايَة أُخْرَى " قَدِّمُوا قُرَيْشًا وَلَا تَقَدَّمُوهَا " أَخْرَجَهُ عَبْد الرَّزَّاق بِإِسْنَاد صَحِيح , لَكِنَّهُ " مُرْسَل وَلَهُ شَوَاهِد , وَقِيلَ هُوَ خَبَر عَلَى ظَاهِره , وَالْمُرَاد بِالنَّاسِ بَعْض النَّاس وَهُمْ سَائِر الْعَرَب مِنْ غَيْر قُرَيْش , وَقَدْ جَمَعْت فِي ذَلِكَ تَأْلِيفًا سَمَّيْته " لَذَّة الْعَيْش , بِطُرُقِ الْأَئِمَّة مِنْ قُرَيْش " وَسَأَذْكُرُ مَقَاصِده فِي كِتَاب الْأَحْكَام مَعَ إِيضَاح هَذِهِ الْمَسْأَلَة. قَالَ عِيَاض : اِسْتَدَلَّ الشَّافِعِيَّة بِهَذَا الْحَدِيث عَلَى إِمَامَة الشَّافِعِيّ وَتَقْدِيمه عَلَى غَيْره , وَلَا حُجَّة فِيهِ لِأَنَّ الْمُرَاد بِهِ هُنَا الْخُلَفَاء. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ : صَحِبَتْ الْمُسْتَدِلَّ بِهَذَا غَفْلَةٌ مُقَارِنَةٌ لِصَمِيمِ التَّقْلِيد. وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ مُرَاد الْمُسْتَدِلّ أَنَّ الْقُرَشِيَّة مِنْ أَسْبَاب الْفَضْل وَالتَّقَدُّم كَمَا أَنَّ مِنْ أَسْبَاب التَّقَدُّم الْوَرَع مَثَلًا , فَالْمُسْتَوِيَانِ فِي خِصَال الْفَضْل إِذَا تَمَيَّزَ أَحَدهمَا بِالْوَرَعِ مَثَلًا كَانَ مُقَدَّمًا عَلَى رَفِيقه , فَكَذَلِكَ الْقُرَشِيَّة , فَثَبَتَ الِاسْتِدْلَال بِهَا عَلَى تَقَدُّم الشَّافِعِيّ وَمَزِيَّته عَلَى مَنْ سَاوَاهُ فِي الْعِلْم وَالدِّين لِمُشَارَكَتِهِ لَهُ فِي الصِّفَتَيْنِ وَتَمَيَّزَ عَلَيْهِ بِالْقُرَشِيَّةِ , وَهَذَا وَاضِح , وَلَعَلَّ الْغَفْلَة وَالْعَصَبِيَّة صَحِبَتْ الْقُرْطُبِيّ فَلِلَّهِ الْأَمْر. وَقَوْله " كَافِرهمْ تَبَع لِكَافِرِهِمْ " وَقَعَ مِصْدَاق ذَلِكَ ; لِأَنَّ الْعَرَب كَانَتْ تُعَظِّم قُرَيْشًا فِي الْجَاهِلِيَّة بِسُكْنَاهَا الْحَرَم , فَلَمَّا بُعِثَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَدَعَا إِلَى اللَّه وَقَفَ غَالِبُ الْعَرَب عَنْ اِتِّبَاعه وَقَالُوا نَنْظُر مَا يَصْنَع قَوْمه , فَلَمَّا فَتَحَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَكَّة وَأَسْلَمَتْ قُرَيْش تَبِعَتهمْ الْعَرَب وَدَخَلُوا فِي دِين اللَّه أَفْوَاجًا , وَاسْتَمَرَّتْ خِلَافَة النُّبُوَّة فِي قُرَيْش , فَصَدَقَ أَنَّ كَافِرهمْ كَانَ تَبَعًا لِكَافِرِهِمْ وَصَارَ مُسْلِمهمْ تَبَعًا لِمُسْلِمِهِمْ.

العودة إلى الحديث

الأحد، 11 أكتوبر 2026 30 ربيع الآخر 1448 هـ