انتقل إلى المحتوى
السبيل

الشرح القديم لـصحيح البخاري ⁦3680⁩

ابن حجر العسقلاني — فتح الباري

حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة فِي الْمَعْنَى , ذَكَرَهُ مُقْتَصَرًا عَلَى قِصَّة رُؤْيَا الْمَرْأَة إِلَى جَانِب الْقَصْر وَزَادَ فِيهِ " قَالُوا : لِعُمَر , فَذَكَرْت غَيْرَته فَوَلَّيْت مُدْبِرًا " وَفِيهِ مَا كَانَ عَلَيْهِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ مُرَاعَاة الصُّحْبَة , وَفِيهِ فَضِيلَة ظَاهِرَة لِعُمَر. وَقَوْله فِيهِ " تَتَوَضَّأ " يَحْتَمِل أَنْ يَكُون عَلَى ظَاهِره وَلَا يُنْكَر كَوْنهَا تَتَوَضَّأ حَقِيقَة لِأَنَّ الرُّؤْيَا وَقَعَتْ فِي زَمَن التَّكْلِيف , وَالْجَنَّة وَإِنْ كَانَ لَا تَكْلِيف فِيهَا فَذَاكَ فِي زَمَن الِاسْتِقْرَار بَلْ ظَاهِر قَوْله " تَتَوَضَّأ إِلَى جَانِب قَصْر " أَنَّهَا تَتَوَضَّأ خَارِجَة مِنْهُ , أَوْ هُوَ عَلَى غَيْر الْحَقِيقَة. وَرُؤْيَا الْمَنَام لَا تُحْمَل دَائِمًا عَلَى الْحَقِيقَة بَلْ تَحْتَمِل التَّأْوِيل , فَيَكُون مَعْنَى كَوْنهَا تَتَوَضَّأ أَنَّهَا تُحَافِظ فِي الدُّنْيَا عَلَى الْعِبَادَة , أَوْ الْمُرَاد بِقَوْلِهِ تَتَوَضَّأ أَيْ تَسْتَعْمِل الْمَاء لِأَجْلِ الْوَضَاءَة عَلَى مَدْلُوله اللُّغَوِيّ وَفِيهِ بُعْدٌ. وَأَغْرَبَ اِبْن قُتَيْبَة وَتَبِعَهُ الْخَطَّابِيُّ فَزَعَمَ أَنَّ قَوْله تَتَوَضَّأ تَصْحِيف وَتَغْيِير مِنْ النَّاسِخ , وَإِنَّمَا الصَّوَاب اِمْرَأَة شَوْهَاء , وَلَمْ يَسْتَنِد فِي هَذِهِ الدَّعْوَى إِلَّا إِلَى اِسْتِبْعَاد أَنْ يَقَع فِي الْجَنَّة وُضُوء لِأَنَّهُ لَا عَمَل فِيهَا , وَعَدَم الِاطِّلَاع عَلَى الْمُرَاد مِنْ الْخَبَر لَا يَقْتَضِي تَغْلِيط الْحُفَّاظ. ثُمَّ أَخَذَ الْخَطَّابِيُّ فِي نَقْل كَلَام أَهْل اللُّغَة فِي تَفْسِير الشَّوْهَاء فَقِيلَ هِيَ الْحَسْنَاء وَنَقَلَهُ عَنْ أَبِي عُبَيْدَة , وَإِنَّمَا تَكُون حَسْنَاء إِذَا وَصَفْت بِهَا الْفَرَس , قَالَ الْجَوْهَرِيّ : فَرَس شَوْهَاء صِفَة مَحْمُودَة وَ " الشَّوْهَاء " الْوَاسِعَة الْفَم وَهُوَ مُسْتَحْسَنٌ فِي الْخَيْل وَالشَّوْهَاء مِنْ النِّسَاء الْقَبِيحَة كَمَا جَزَمَ بِهِ اِبْن الْأَعْرَابِيّ وَغَيْره , وَقَدْ تَعَقَّبَ الْقُرْطُبِيّ كَلَام الْخَطَّابِيِّ لَكِنْ نَسَبَهُ إِلَى اِبْن قُتَيْبَة فَقَطْ , قَالَ اِبْن قُتَيْبَة : بَدَل تَتَوَضَّأ شَوْهَاء ثُمَّ نَقَلَ أَنَّ الشَّوْهَاء تُطْلَق عَلَى الْقَبِيحَة وَالْحَسْنَاء , قَالَ الْقُرْطُبِيّ : وَالْوُضُوء هُنَا لِطَلَبِ زِيَادَة الْحُسْن لَا لِلنَّظَافَةِ لِأَنَّ الْجَنَّة مُنَزَّهَةٌ عَنْ الْأَوْسَاخ وَالْأَقْذَار , وَقَدْ تَرْجَمَ عَلَيْهِ الْبُخَارِيّ فِي كِتَاب التَّعْبِير " بَاب الْوُضُوء فِي الْمَنَام " فَبَطَلَ مَا تَخَيَّلَهُ الْخَطَّابِيُّ , وَفِي الْحَدِيث فَضِيلَة الرُّمَيْصَاء وَأَنَّهَا كَانَتْ مُوَاظِبَة عَلَى الْعِبَادَة , كَذَا نَقَلَهُ اِبْن التِّين عَنْ غَيْره وَفِيهِ نَظَر.

العودة إلى الحديث

الأحد، 11 أكتوبر 2026 30 ربيع الآخر 1448 هـ