قَوْله : ( حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيل بْن عَبْد اللَّه ) هُوَ اِبْن أَبِي أُوَيْس اِبْن أُخْت مَالِكٍ.
قَوْله : ( لَا تَدْخُلُوا ) كَانَ هَذَا النَّهْي لَمَّا مَرُّوا مَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْحِجْرِ دِيَار ثَمُود فِي حَال تَوَجُّههمْ إِلَى تَبُوك , وَقَدْ صَرَّحَ الْمُصَنِّف فِي أَحَادِيث الْأَنْبِيَاء مِنْ وَجْه آخَر عَنْ اِبْن عُمَر بِبَعْضِ ذَلِكَ.
قَوْله : ( هَؤُلَاءِ الْمُعَذَّبِينَ ) بِفَتْحِ الذَّال الْمُعْجَمَة. وَلَهُ فِي أَحَادِيث الْأَنْبِيَاء " لَا تَدْخُلُوا مَسَاكِن الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسهمْ ".
قَوْله : ( إِلَّا أَنْ تَكُونُوا بَاكِينَ ) لَيْسَ الْمُرَاد الِاقْتِصَار فِي ذَلِكَ عَلَى اِبْتِدَاء الدُّخُول , بَلْ دَائِمًا عِنْد كُلّ جُزْء مِنْ الدُّخُول , وَأَمَّا الِاسْتِقْرَار فَالْكَيْفِيَّة الْمَذْكُورَة مَطْلُوبَة فِيهِ بِالْأَوْلَوِيَّةِ , وَسَيَأْتِي أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَنْزِل فِيهِ أَلْبَتَّة. قَالَ اِبْن بَطَّالٍ : هَذَا يَدُلّ عَلَى إِبَاحَة الصَّلَاة هُنَاكَ ; لِأَنَّ الصَّلَاة مَوْضِع بُكَاء وَتَضَرُّع , كَأَنَّهُ يُشِير إِلَى عَدَم مُطَابَقَة الْحَدِيث لِأَثَرِ عَلِيّ. قُلْت : وَالْحَدِيث مُطَابِق لَهُ مِنْ جِهَة أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا فِيهِ تَرْك النُّزُول كَمَا وَقَعَ عِنْد الْمُصَنِّف فِي الْمَغَازِي فِي آخِر الْحَدِيث " ثُمَّ قَنَّعَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأْسه وَأَسْرَعَ السَّيْر حَتَّى أَجَازَ الْوَادِي " فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَنْزِل وَلَمْ يُصَلِّ هُنَاكَ كَمَا صَنَعَ عَلِيّ فِي خَسْف بَابِل. وَرَوَى الْحَاكِم فِي " الْإِكْلِيل " عَنْ أَبِي سَعِيد الْخُدْرِيِّ قَالَ " رَأَيْت رَجُلًا جَاءَ بِخَاتَمٍ وَجَدَهُ بِالْحِجْرِ فِي بُيُوت الْمُعَذَّبِينَ فَأَعْرَضَ عَنْهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاسْتَتَرَ بِيَدِهِ أَنْ يَنْظُر إِلَيْهِ وَقَالَ : أَلْقِهِ. فَأَلْقَاهُ " لَكِنَّ إِسْنَاده ضَعِيف , وَسَيَأْتِي نَهْيه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُسْتَقَى مِنْ مِيَاههمْ فِي كِتَاب أَحَادِيث الْأَنْبِيَاء إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى.
قَوْله : ( لَا يُصِيبكُمْ ) بِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّ " لَا " نَافِيَة وَالْمَعْنَى لِئَلَّا يُصِيبكُمْ. وَيَجُوز الْجَزْم عَلَى أَنَّهَا نَاهِيَة وَهُوَ أَوْجَهُ , وَهُوَ نَهْي بِمَعْنَى الْخَبَر. وَلِلْمُصَنِّفِ فِي أَحَادِيث الْأَنْبِيَاء " أَنْ يُصِيبكُمْ " أَيْ خَشْيَة أَنْ يُصِيبكُمْ , وَوَجْه هَذِهِ الْخَشْيَة أَنَّ الْبُكَاء يَبْعَثهُ عَلَى التَّفَكُّر وَالِاعْتِبَار , فَكَأَنَّهُ أَمَرَهُمْ بِالتَّفَكُّرِ فِي أَحْوَال تُوجِب الْبُكَاء مِنْ تَقْدِير اللَّه تَعَالَى عَلَى أُولَئِكَ بِالْكُفْرِ مَعَ تَمْكِينه لَهُمْ فِي الْأَرْض وَإِمْهَالهمْ مُدَّة طَوِيلَة ثُمَّ إِيقَاع نِقْمَته بِهِمْ وَشِدَّة عَذَابه , وَهُوَ سُبْحَانه مُقَلِّب الْقُلُوب فَلَا يَأْمَن الْمُؤْمِن أَنْ تَكُون عَاقِبَته إِلَى مِثْل ذَلِكَ. وَالتَّفَكُّر أَيْضًا فِي مُقَابَلَة أُولَئِكَ نِعْمَة اللَّه بِالْكُفْرِ وَإِهْمَالهمْ إِعْمَال عُقُولهمْ فِيمَا يُوجِب الْإِيمَان بِهِ وَالطَّاعَة لَهُ , فَمَنْ مَرَّ عَلَيْهِمْ وَلَمْ يَتَفَكَّر فِيمَا يُوجِب الْبُكَاء اِعْتِبَارًا بِأَحْوَالِهِمْ فَقَدْ شَابَهَهُمْ فِي الْإِهْمَال , وَدَلَّ عَلَى قَسَاوَة قَلْبه وَعَدَم خُشُوعه , فَلَا يَأْمَن أَنْ يَجُرّهُ ذَلِكَ إِلَى الْعَمَل بِمِثْلِ أَعْمَالهمْ فَيُصِيبهُ مَا أَصَابَهُمْ , وَبِهَذَا يَنْدَفِع اِعْتِرَاض مَنْ قَالَ : كَيْف يُصِيب عَذَاب الظَّالِمِينَ مَنْ لَيْسَ بِظَالِمٍ ؟ لِأَنَّهُ بِهَذَا التَّقْرِير لَا يَأْمَن أَنْ يَصِير ظَالِمًا فَيُعَذَّب بِظُلْمِهِ. وَفِي الْحَدِيث الْحَثّ عَلَى الْمُرَاقَبَة , وَالزَّجْر عَنْ السُّكْنَى فِي دِيَار الْمُعَذَّبِينَ , وَالْإِسْرَاع عِنْد الْمُرُور بِهَا , وَقَدْ أُشِير إِلَى ذَلِكَ فِي قَوْله تَعَالَى ( وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسهمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْف فَعَلْنَا بِهِمْ ).