قَوْله ( لَمَّا نَزَلَ ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ بِفَتْحَتَيْنِ وَالْفَاعِل مَحْذُوف أَيْ الْمَوْت , وَلِغَيْرِهِ بِضَمِّ النُّون وَكَسْر الزَّاي , وَطَفِقَ أَيْ جَعَلَ. وَالْخَمِيصَة كِسَاء لَهُ أَعْلَام كَمَا تَقَدَّمَ.
قَوْله : ( فَقَالَ وَهُوَ كَذَلِكَ ) أَيْ فِي تِلْكَ الْحَال , وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون ذَلِكَ فِي الْوَقْت الَّذِي ذَكَرَتْ فِيهِ أُمّ سَلَمَة وَأُمّ حَبِيبَة أَمْر الْكَنِيسَة الَّتِي رَأَتَاهَا بِأَرْضِ الْحَبَشَة , وَكَأَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلِمَ أَنَّهُ مُرْتَحِل مِنْ ذَلِكَ الْمَرَض فَخَافَ أَنْ يُعَظَّم قَبْره كَمَا فَعَلَ مَنْ مَضَى فَلَعَنَ الْيَهُود وَالنَّصَارَى إِشَارَة إِلَى ذَمّ مَنْ يَفْعَل فِعْلهمْ , وَقَوْله : ( اِتَّخَذُوا ) جُمْلَة مُسْتَأْنَفَة عَلَى سَبِيل الْبَيَان لِمُوجِبِ اللَّعْن , كَأَنَّهُ قِيلَ مَا سَبَب لَعْنهِمْ ؟ فَأُجِيب بِقَوْلِهِ " اِتَّخَذُوا ". وَقَوْله : ( يُحَذِّر مَا صَنَعُوا ) جُمْلَة أُخْرَى مُسْتَأْنَفَة مِنْ كَلَام الرَّاوِي , كَأَنَّهُ سُئِلَ عَنْ حِكْمَة ذِكْر ذَلِكَ فِي ذَلِكَ الْوَقْت فَأُجِيب بِذَلِكَ. وَقَدْ اُسْتُشْكِلَ ذِكْر النَّصَارَى فِيهِ ; لِأَنَّ الْيَهُود لَهُمْ أَنْبِيَاء بِخِلَافِ النَّصَارَى فَلَيْسَ بَيْن عِيسَى وَبَيْن نَبِيّنَا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَبِيّ غَيْره وَلَيْسَ لَهُ قَبْر , وَالْجَوَاب أَنَّهُ كَانَ فِيهِمْ أَنْبِيَاء أَيْضًا لَكِنَّهُمْ غَيْر مُرْسَلِينَ كَالْحَوَارِيِّينَ وَمَرْيَم فِي قَوْل , أَوْ الْجَمْع فِي قَوْله " أَنْبِيَائِهِمْ " بِإِزَاءِ الْمَجْمُوع مِنْ الْيَهُود وَالنَّصَارَى , وَالْمُرَاد الْأَنْبِيَاء وَكِبَار أَتْبَاعهمْ فَاكْتَفَى بِذِكْرِ الْأَنْبِيَاء , وَيُؤَيِّدهُ قَوْله فِي رِوَايَة مُسْلِم مِنْ طَرِيق جُنْدُب " كَانُوا يَتَّخِذُونَ قُبُور أَنْبِيَائِهِمْ وَصَالِحِيهِمْ مَسَاجِد " وَلِهَذَا لَمَّا أَفْرَدَ النَّصَارَى فِي الْحَدِيث الَّذِي قَبْله قَالَ " إِذَا مَاتَ فِيهِمْ الرَّجُل الصَّالِح " وَلَمَّا أَفْرَدَ الْيَهُود فِي الْحَدِيث الَّذِي بَعْده قَالَ " قُبُور أَنْبِيَائِهِمْ " , أَوْ الْمُرَاد بِالِاتِّخَاذِ أَعَمّ مِنْ أَنْ يَكُون اِبْتِدَاعًا أَوْ اِتِّبَاعًا , فَالْيَهُود اِبْتَدَعَتْ وَالنَّصَارَى اِتَّبَعَتْ , وَلَا رَيْب أَنَّ النَّصَارَى تُعَظِّم قُبُور كَثِير مِنْ الْأَنْبِيَاء الَّذِينَ تُعَظِّمهُمْ الْيَهُود.