قَوْله : ( حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن يَحْيَى ) هُوَ الْبُرُلُّسِيُّ يُكَنَّى أَبَا يَحْيَى صَدُوق , أَدْرَكَهُ الْبُخَارِيّ وَلَكِنْ رَوَى عَنْهُ بِوَاسِطَةٍ هُنَا وَفِي تَفْسِير سُورَة الْفَتْح فَقَطْ , وَقَدْ تَقَدَّمَتْ الْإِشَارَة إِلَى حَال بَقِيَّة الْإِسْنَاد فِي تَفْسِير سُورَة الْبَقَرَة.
قَوْله : ( عَنْ اِبْن عُمَر أَنَّ رَجُلًا جَاءَهُ ) تَقَدَّمَ فِي تَفْسِير سُورَة الْبَقَرَة مَا أَخْرَجَ سَعِيد بْن مَنْصُور مِنْ أَنَّ السَّائِل هُوَ حَيَّانُ صَاحِب الدِّثِنِّيَّةِ , وَرَوَى أَبُو بَكْر النَّجَّاد فِي فَوَائِده أَنَّهُ الْهَيْثَم بْن حَنَش وَقِيلَ نَافِع بْن الْأَزْرَق , وَسَأَذْكُرُ فِي الطَّرِيق الَّتِي بَعْدَ هَذِهِ قَوْلًا آخَرَ , وَلَعَلَّ السَّائِلِينَ عَنْ ذَلِكَ جَمَاعَة , أَوْ تَعَدَّدَتْ الْقِصَّةُ.
قَوْله : ( فَمَا يَمْنَعُك أَنْ لَا تُقَاتِلَ ) " لَا " زَائِدَةٌ وَقَدْ تَقَدَّمَ تَقْرِيره فِي تَفْسِير سُورَة الْأَعْرَاف عِنْدَ
قَوْلِهِ : ( مَا مَنَعَك أَلَّا تَسْجُدَ ).
قَوْله : ( أُعَتَّرُ ) بِمُهْمَلَةٍ وَتَحْتَانِيَّةٍ ثَقِيلَةٍ لِلْكُشْمِيهَنِيِّ فِي الْمَوْضِعَيْنِ , وَلِغَيْرِهِ بِفَتْحِ الْهَمْزَة وَسُكُون الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَتَخْفِيفِ الْمُثَنَّاة الْفَوْقَانِيَّة وَتَشْدِيد الرَّاء فِيهِمَا , وَالْحَاصِل أَنَّ السَّائِل كَانَ يَرَى قِتَال مَنْ خَالَفَ الْإِمَام الَّذِي يَعْتَقِد طَاعَته وَكَانَ اِبْن عُمَر يَرَى تَرْكَ الْقِتَال فِيمَا يَتَعَلَّق بِالْمُلْكِ , وَسَيَأْتِي مَزِيد لِذَلِكَ فِي كِتَاب الْفِتَن.
قَوْله : ( فَكَانَ الرَّجُل يُفْتَنُ فِي دِينه إِمَّا يَقْتُلُوهُ وَإِمَّا يُوثِقُوهُ ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ فَزَعَمَ بَعْض الشُّرَّاح بِأَنَّهُ غَلَطٌ وَأَنَّ الصَّوَاب بِإِثْبَاتِ النُّون فِيهِمَا لِأَنَّ " إِمَّا " الَّتِي تَجْزِم هِيَ الشَّرْطِيَّة وَلَيْسَتْ هُنَا شَرْطِيَّة. قُلْت : وَهِيَ رِوَايَة أَبِي ذَرّ , وَوُجِّهَتْ رِوَايَة الْأَكْثَر بِأَنَّ النُّون قَدْ تُحْذَف بِغَيْرِ نَاصِب وَلَا جَازِم فِي لُغَة شَهِيرَة , وَتَقَدَّمَ فِي تَفْسِير الْبَقَرَة بِلَفْظِ " إِمَّا تُعَذِّبُوهُ وَإِمَّا تَقْتُلُوهُ " وَقَدْ مَضَى الْقَوْل فِيهِ هُنَاكَ. وَأَمَّا قَوْله " فَمَا قَوْلُك فِي عَلِيّ وَعُثْمَان " فَيُؤَيِّد أَنَّ السَّائِل مِنْ الْخَوَارِج. فَإِنَّهُمْ كَانُوا يَتَوَلَّوْنَ الشَّيْخَيْنِ وَيَحُطُّونَ عُثْمَان وَعَلِيًّا , فَرَدَّ عَلَيْهِ اِبْن عُمَر بِذِكْرِ مَنَاقِبِهِمَا وَمَنْزِلَتِهِمَا مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالِاعْتِذَار عَمَّا عَابُوا بِهِ عُثْمَان مِنْ الْفِرَار يَوْمَ أُحُدٍ فَإِنَّهُ تَعَالَى صَرَّحَ فِي الْقُرْآن بِأَنَّهُ عَفَا عَنْهُمْ , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي مَنَاقِب عُثْمَان سُؤَال السَّائِل لِابْنِ عُمَر عَنْ عُثْمَان وَأَنَّهُ فَرَّ يَوْم أُحُدٍ وَغَابَ عَنْ بَدْر وَعَنْ بَيْعَة الرِّضْوَان , وَبَيَان اِبْن عُمَر لَهُ عُذْر عُثْمَان فِي ذَلِكَ , فَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون هُوَ السَّائِل هُنَا , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون غَيْره وَهُوَ الْأَرْجَح لِأَنَّهُ لَمْ يَتَعَرَّض هُنَاكَ لِذِكْرِ عَلِيّ وَكَأَنَّهُ كَانَ رَافِضِيًّا , وَأَمَّا عَدَم ذِكْرِهِ لِلْقِتَالِ فَلَا يَقْتَضِي التَّعَدُّد لِأَنَّ الطَّرِيق الَّتِي بَعْدَهَا قَدْ ذَكَرَ فِيهَا الْقِتَال وَلَمْ يَذْكُر قِصَّة عُثْمَان , وَالْأَوْلَى الْحَمْل عَلَى التَّعَدُّد لِاخْتِلَافِ النَّاقِلِينَ فِي تَسْمِيَة السَّائِلِينَ وَإِنْ اِتَّحَدَ الْمَسْئُول وَاللَّهُ أَعْلَم.
قَوْله : ( فَكَرِهْتُمْ أَنْ تَعْفُوا عَنْهُ ) بِالْمُثَنَّاةِ الْفَوْقَانِيَّة وَبِصِيغَةِ الْجَمْع , وَمَضَى فِي تَفْسِير الْبَقَرَة بِلَفْظِ " أَنْ يَعْفُوَ " بِالتَّحْتَانِيَّةِ أَوَّله وَالْإِفْرَاد أَيْ اللَّهُ , وَقَوْله " وَهَذِهِ اِبْنَتُهُ أَوْ بِنْتُهُ " كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِالشَّكِّ وَوَافَقَهُمْ الْكُشْمِيهَنِيُّ لَكِنْ قَالَ " أَوْ أَبْيُته " بِصِيغَةِ جَمْع الْقِلَّة فِي الْبَيْت وَهُوَ شَاذٌّ , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي مَنَاقِب عَلِيّ مِنْ وَجْه آخَرَ بِلَفْظِ " فَقَالَ هُوَ ذَاكَ بَيْتُهُ أَوْسَط بُيُوت النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " وَفِي رِوَايَة النَّسَائِيِّ " وَلَكِنْ اُنْظُرْ إِلَى مَنْزِلَته مِنْ نَبِيّ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْسَ فِي الْمَسْجِد غَيْر بَيْته " وَهَذَا يَدُلّ عَلَى أَنَّهُ تَصَحَّفَ عَلَى بَعْض الرُّوَاة بَيْته بِبِنْتِهِ فَقَرَأَهَا بِنْتَه بِمُوَحَّدَةٍ ثُمَّ نُون ثُمَّ طَرَأَ لَهُ الشَّكّ فَقَالَ " بِنْته أَوْ بَيْته " وَالْمُعْتَمَد أَنَّهُ الْبَيْت فَقَطْ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ الرِّوَايَات الْمُصَرِّحَة بِذَلِكَ. وَتَقَدَّمَ أَيْضًا فِي مَنَاقِب أَبِي بَكْر أَشْيَاء تَتَعَلَّق بِبَيْتِ عَلِيّ وَاخْتِصَاصه بِكَوْنِهِ بَيْنَ بُيُوت أَزْوَاج النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.