انتقل إلى المحتوى
السبيل

الشرح القديم لـصحيح البخاري ⁦4793⁩

ابن حجر العسقلاني — فتح الباري

قَوْله فِي رِوَايَة عَبْد الْعَزِيز ( فَخَرَجَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَانْطَلَقَ إِلَى حُجْرَة عَائِشَة فَقَالَ : السَّلَام عَلَيْكُمْ ) فِي رِوَايَة حُمَيْدٍ " ثُمَّ خَرَجَ إِلَى أُمَّهَات الْمُؤْمِنِينَ كَمَا كَانَ يَصْنَع صَبِيحَةَ بِنَائِهِ فَيُسَلِّم عَلَيْهِنَّ وَيُسَلِّمْنَ عَلَيْهِ وَيَدْعُو لَهُنَّ وَيَدْعُونَ لَهُ " وَفِي رِوَايَة عَبْد الْعَزِيز أَنَّهُنَّ قُلْنَ لَهُ : " كَيْف وَجَدْت أَهْلَك بَارَكَ اللَّه لَك ".

قَوْله : ( فَتَقَرَّى ) بِفَتْحِ الْقَاف وَتَشْدِيد الرَّاء بِصِيغَةِ الْفِعْل الْمَاضِي , أَيْ تَتَبَّعَ الْحُجُرَات وَاحِدَة وَاحِدَة , يُقَال مِنْهُ قَرَيْت الْأَرْض إِذَا تَتَبَّعْتهَا أَرْضًا بَعْدَ أَرْض وَنَاسًا بَعْدَ نَاس.

قَوْله : ( وَكَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَدِيد الْحَيَاء فَخَرَجَ مُنْطَلِقًا نَحْو حُجْرَة عَائِشَة ) فِي رِوَايَة حُمَيْدٍ " رَأَى رَجُلَيْنِ جَرَى بِهِمَا الْحَدِيث فَلَمَّا رَآهُمَا رَجَعَ عَنْ بَيْته , فَلَمَّا رَأَى الرَّجُلَانِ نَبِيّ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجَعَ عَنْ بَيْته وَثَبَا مُسْرِعَيْنِ " وَمُحَصِّل الْقِصَّة أَنَّ الَّذِينَ حَضَرُوا الْوَلِيمَة جَلَسُوا يَتَحَدَّثُونَ , وَاسْتَحْيَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَأْمُرهُمْ بِالْخُرُوجِ فَتَهَيَّأَ لِلْقِيَامِ لِيَفْطِنُوا لِمُرَادِهِ فَيَقُومُوا بِقِيَامِهِ , فَلَمَّا أَلْهَاهُمْ الْحَدِيث عَنْ ذَلِكَ قَامَ وَخَرَجَ فَخَرَجُوا بِخُرُوجِهِ , إِلَّا الثَّلَاثَة الَّذِينَ لَمْ يَفْطِنُوا لِذَلِكَ لِشِدَّةِ شُغْل بَالِهِمْ بِمَا كَانُوا فِيهِ مِنْ الْحَدِيث , وَفِي غُضُون ذَلِكَ كَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُرِيد أَنْ يَقُومُوا مِنْ غَيْر مُوَاجَهَتهمْ بِالْأَمْرِ بِالْخُرُوجِ لِشِدَّةِ حَيَائِهِ فَيُطِيل الْغَيْبَة عَنْهُمْ بِالتَّشَاغُلِ بِالسَّلَامِ عَلَى نِسَائِهِ , وَهُمْ فِي شُغْل بَالهمْ , وَكَانَ أَحَدهمْ فِي أَثْنَاء ذَلِكَ أَفَاقَ مِنْ غَفْلَته فَخَرَجَ وَبَقِيَ الِاثْنَانِ , فَلَمَّا طَالَ ذَلِكَ وَوَصَلَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى مَنْزِله فَرَآهُمَا فَرَجَعَ فَرَأَيَاهُ لَمَّا رَجَعَ , فَحِينَئِذٍ فَطِنَا فَخَرَجَا , فَدَخَلَ النَّبِيّ , وَأُنْزِلَتْ الْآيَة , فَأَرْخَى السِّتْر بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَنَس خَادِمه أَيْضًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ عَهْد بِذَلِكَ. ( تَنْبِيهٌ ) : ظَاهِر الرِّوَايَة الثَّانِيَة أَنَّ الْآيَة نَزَلَتْ قَبْلَ قِيَام الْقَوْم. وَالْأُولَى وَغَيْرهَا أَنَّهَا نَزَلَتْ بَعْدُ , فَيُجْمَع بِأَنَّ الْمُرَاد أَنَّهَا نَزَلَتْ حَالَ قِيَامهمْ أَيْ أَنْزَلَهَا اللَّه وَقَدْ قَامُوا. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الْجَعْد " فَرَجَعَ فَدَخَلَ الْبَيْت وَأَرْخَى السِّتْر وَإِنِّي لَفِي الْحُجْرَة وَهُوَ يَقُول : يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوت النَّبِيّ - إِلَى قَوْله - مِنْ الْحَقِّ " وَفِي الْحَدِيث مِنْ الْفَوَائِد مَشْرُوعِيَّة الْحِجَاب لِأُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ , قَالَ عِيَاض : فَرْض الْحِجَاب مِمَّا اِخْتَصَصْنَ بِهِ فَهُوَ فُرِضَ عَلَيْهِنَّ بِلَا خِلَاف فِي الْوَجْه وَالْكَفَّيْنِ , فَلَا يَجُوز لَهُنَّ كَشْف ذَلِكَ فِي شَهَادَة وَلَا غَيْرهَا وَلَا إِظْهَار شُخُوصهنَّ وَإِنْ كُنَّ مُسْتَتِرَات إِلَّا مَا دَعَتْ إِلَيْهِ ضَرُورَة مِنْ بِرَاز. ثُمَّ اِسْتَدَلَّ بِمَا فِي " الْمُوَطَّأ " أَنَّ حَفْصَة لَمَّا تُوُفِّيَ عُمَر سَتَرَهَا النِّسَاء عَنْ أَنْ يُرَى شَخْصهَا ; وَأَنَّ زَيْنَب بِنْت جَحْش جَعَلَتْ لَهَا الْقُبَّة فَوْقَ نَعْشهَا لِيَسْتُر شَخْصهَا. اِنْتَهَى. وَلَيْسَ فِيمَا ذَكَرَهُ دَلِيل عَلَى مَا اِدَّعَاهُ مِنْ فَرْض ذَلِكَ عَلَيْهِنَّ , وَقَدْ كُنَّ بَعْدَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَحْجُجْنَ وَيَطُفْنَ , وَكَانَ الصَّحَابَة وَمَنْ بَعْدَهُمْ يَسْمَعُونَ مِنْهُنَّ الْحَدِيث وَهُنَّ مُسْتَتِرَات الْأَبَدَانِ لَا الْأَشْخَاص , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْحَجّ قَوْل اِبْن جُرَيْجٍ لِعَطَاءٍ لَمَّا ذَكَرَ لَهُ طَوَاف عَائِشَة : أَقَبْلَ الْحِجَاب أَوْ بَعْدَهُ ؟ قَالَ : قَدْ أَدْرَكْت ذَلِكَ بَعْدَ الْحِجَاب. وَسَيَأْتِي فِي آخِر الْحَدِيث الَّذِي يَلِيه مَزِيد بَيَان لِذَلِكَ.

العودة إلى الحديث

الأحد، 11 أكتوبر 2026 30 ربيع الآخر 1448 هـ