انتقل إلى المحتوى
السبيل

الشرح القديم لـصحيح البخاري ⁦4803⁩

ابن حجر العسقلاني — فتح الباري

قَوْله فِي الرِّوَايَة الثَّانِيَة ( سَأَلْت النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ قَوْله تَعَالَى ( وَالشَّمْس تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ) قَالَ : مُسْتَقَرّهَا تَحْتَ الْعَرْش ) كَذَا رَوَاهُ وَكِيع عَنْ الْأَعْمَش مُخْتَصَرًا , وَهُوَ بِالْمَعْنَى , فَإِنَّ فِي الرِّوَايَة الْأُولَى أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُوَ الَّذِي اِسْتَفْهَمَهُ " أَتَدْرِي أَيْنَ تَغْرُب الشَّمْس ؟ فَقَالَ : اللَّه وَرَسُوله أَعْلَم ".

قَوْله : ( فَإِنَّهَا تَذْهَب حَتَّى تَسْجُد تَحْتَ الْعَرْش ) فِي رِوَايَة أَبِي مُعَاوِيَة عَنْ الْأَعْمَش كَمَا سَيَأْتِي فِي التَّوْحِيد فَإِنَّهَا تَذْهَب فَتَسْتَأْذِن فِي السُّجُود فَيُؤْذَن لَهَا , وَكَأَنَّهَا قَدْ قِيلَ لَهَا اُطْلُعِي مِنْ حَيْثُ جِئْت فَتَطْلُع مِنْ مَغْرِبهَا. ثُمَّ قَرَأَ " وَذَلِكَ مُسْتَقَرٌّ لَهَا ". قَالَ : وَهِيَ قِرَاءَة عَبْد اللَّه. وَرَوَى عَبْد الرَّزَّاق مِنْ طَرِيق وَهْب عَنْ جَابِر عَنْ عَبْد اللَّه بْن عَمْرو فِي هَذِهِ الْآيَة قَالَ : مُسْتَقَرّهَا أَنْ تَطْلُع فَيَرُدّهَا ذُنُوب بَنِي آدَم , فَإِذَا غَرَبَتْ سَلَّمَتْ وَسَجَدَتْ وَاسْتَأْذَنَتْ فَلَا يُؤْذَن لَهَا , فَتَقُول : إِنَّ السَّيْر بَعُدَ , وَإِنِّي إِنْ لَا يُؤْذَن لِي لَا أَبْلُغ , فَتُحْبَس مَا شَاءَ اللَّه. ثُمَّ يُقَال : اُطْلُعِي مِنْ حَيْثُ غَرَبْت , قَالَ فَمِنْ يَوْمِئِذٍ إِلَى يَوْم الْقِيَامَة لَا يَنْفَع نَفْسًا إِيمَانُهَا. وَأَمَّا قَوْله " تَحْتَ الْعَرْش " فَقِيلَ هُوَ حِينَ مُحَاذَاتهَا. وَلَا يُخَالِف هَذَا

قَوْله : ( وَجَدَهَا تَغْرُب فِي عَيْنٍ حَمِئَة ) فَإِنَّ الْمُرَاد بِهَا نِهَايَة مُدْرَكِ الْبَصَر إِلَيْهَا حَال الْغُرُوب , وَسُجُودهَا تَحْتَ الْعَرْش إِنَّمَا هُوَ بَعْدَ الْغُرُوب. وَفِي الْحَدِيث رَدّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْمُرَاد بِمُسْتَقَرِّهَا غَايَة مَا تَنْتَهِي إِلَيْهِ فِي الِارْتِفَاع , وَذَلِكَ أَطْوَل يَوْمٍ فِي السَّنَة , وَقِيلَ إِلَى مُنْتَهَى أَمْرهَا عِنْدَ اِنْتِهَاء الدُّنْيَا. وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : يُحْتَمَل أَنْ يَكُون الْمُرَاد بِاسْتِقْرَارِهَا تَحْتَ الْعَرْش أَنَّهَا تَسْتَقِرّ تَحْتَهُ اِسْتِقْرَارًا لَا نُحِيط بِهِ نَحْنُ , وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون الْمَعْنَى أَوْ عِلْم مَا سَأَلْت عَنْهُ مِنْ مُسْتَقَرّهَا تَحْتَ الْعَرْش فِي كِتَاب كُتِبَ فِيهِ اِبْتِدَاء أُمُور الْعَالَم وَنِهَايَتهَا فَيُقْطَع دَوْرَانِ الشَّمْس وَتَسْتَقِرّ عِنْدَ ذَلِكَ وَيَبْطُل فِعْلهَا , وَلَيْسَ فِي سُجُودهَا كُلّ لَيْلَة تَحْتَ الْعَرْش مَا يُعِيق عَنْ دَوَرَانهَا فِي سَيْرهَا. قُلْت : وَظَاهِر الْحَدِيث أَنَّ الْمُرَاد بِالِاسْتِقْرَارِ وُقُوعه فِي كُلّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ عِنْدَ سُجُودهَا وَمُقَابِل الِاسْتِقْرَار الْمَسِير الدَّائِم الْمُعَبَّر عَنْهُ بِالْجَرْيِ. وَاَللَّه أَعْلَم.

العودة إلى الحديث

الأحد، 11 أكتوبر 2026 30 ربيع الآخر 1448 هـ