أَحَدُهمَا حَدِيث اِبْن عَبَّاس , وَأَبُو الْأَشْهَب الْمَذْكُور فِي الْإِسْنَاد هُوَ جَعْفَر بْن حَيَّان , وَأَبُو الْجَوْزَاء بِالْجِيمِ وَالزَّاي هُوَ أَوْس بْن عَبْد اللَّه , وَالْإِسْنَاد كُلّه بَصْرِيُّونَ.
قَوْله : ( فِي قَوْلِهِ اللَّاتَ وَالْعُزَّى كَانَ اللَّاتُ رَجُلًا يَلُتّ سَوِيق الْحَاجّ ) سَقَطَ " فِي قَوْله " لِغَيْرِ أَبِي ذَرّ , وَهَذَا مَوْقُوف عَلَى اِبْن عَبَّاس , قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ : هَذَا التَّفْسِير عَلَى قِرَاءَة مَنْ قَرَأَ اللَّات بِتَشْدِيدِ التَّاء. قُلْت : وَلَيْسَ ذَلِكَ بِلَازِمٍ , بَلْ يَحْتَمِل أَنْ يَكُون هَذَا أَصْله وَخُفِّفَ لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمَال , وَالْجُمْهُور عَلَى الْقِرَاءَة بِالتَّخْفِيفِ. وَقَدْ رُوِيَ التَّشْدِيد عَنْ قِرَاءَة اِبْن عَبَّاس وَجَمَاعَة مِنْ أَتْبَاعه , وَرُوِيَتْ عَنْ اِبْن كَثِير أَيْضًا , وَالْمَشْهُور عَنْهُ التَّخْفِيف كَالْجُمْهُورِ , وَأَخْرَجَ اِبْن أَبِي حَاتِم مِنْ طَرِيق عَمْرو بْن مَالِك عَنْ أَبِي الْجَوْزَاء عَنْ اِبْن عَبَّاس وَلَفْظه فِيهِ زِيَادَة " كَانَ يَلُتّ السَّوِيق عَلَى الْحَجَر فَلَا يَشْرَب مِنْهُ أَحَد إِلَّا سَمِنَ , فَعَبَدُوهُ " وَاخْتُلِفَ فِي اِسْم هَذَا الرَّجُل , فَرَوَى الْفَاكِهِيّ مِنْ طَرِيق مُجَاهِد قَالَ " كَانَ رَجُل فِي الْجَاهِلِيَّة عَلَى صَخْرَة بِالطَّائِفِ وَعَلَيْهَا لَهُ غَنَم , فَكَانَ يَسْلُو مِنْ رَسَلِهَا وَيَأْخُذ مِنْ زَبِيب الطَّائِف وَالْأَقِط فَيَجْعَل مِنْهُ حَيْسًا وَيُطْعِم مَنْ يَمُرّ بِهِ مِنْ النَّاس , فَلَمَّا مَاتَ عَبَدُوهُ " وَكَانَ مُجَاهِد يَقْرَأ اللَّاتّ مُشَدَّدَة. وَمِنْ طَرِيق اِبْن جُرَيْجٍ نَحْوه , قَالَ وَزَعَمَ بَعْض النَّاس أَنَّهُ عَامِر بْن الظَّرِب اِنْتَهَى. وَهُوَ بِفَتْحِ الظَّاء الْمُشَالَة وَكَسْر الرَّاء ثُمَّ مُوَحَّدَة وَهُوَ الْعُدْوَانِيّ بِضَمِّ الْمُهْمَلَة وَسُكُون الدَّال , وَكَانَ حَكَم الْعَرَب فِي زَمَانه , وَفِيهِ يَقُول شَاعِرهمْ " وَمِنَّا حَكَم يَقْضِي وَلَا يُنْقَض مَا يَقْضِي " وَحَكَى السُّهَيْلِيُّ أَنَّهُ عَمْرو بْن لُحَيّ بْن قَمْعَة بْن إِلْيَاس بْن مُضَر , قَالَ وَيُقَال هُوَ عَمْرو بْن لُحَيّ وَهُوَ رَبِيعَة بْن حَارِثَة وَهُوَ وَالِد خُزَاعَة اِنْتَهَى. وَحَرَّفَ بَعْض الشُّرَّاح كَلَام السُّهَيْلِيّ وَظَنَّ أَنَّ رَبِيعَة بْن حَارِثَة قَوْل آخَر فِي اِسْم اللَّات , وَلَيْسَ كَذَلِكَ , وَإِنَّمَا رَبِيعَة بْن حَارِثَة اِسْم لُحَيّ فِيمَا قِيلَ , وَالصَّحِيح أَنَّ اللَّات غَيْر عَمْرو بْن لُحَيّ , فَقَدْ أَخْرَجَ الْفَاكِهِيّ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ اِبْن عَبَّاس أَنَّ اللَّات لَمَّا مَاتَ قَالَ لَهُمْ عَمْرو بْن لُحَيّ : إِنَّهُ لَمْ يَمُتْ , وَلَكِنَّهُ دَخَلَ الصَّخْرَة فَعَبَدُوهَا وَبَنَوْا عَلَيْهَا بَيْتًا. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي مَنَاقِب قُرَيْش أَنَّ عَمْرو بْن لُحَيّ هُوَ الَّذِي حَمَلَ الْعَرَب عَلَى عِبَادَة الْأَصْنَام , وَهُوَ يُؤَيِّد هَذِهِ الرِّوَايَة. وَحَكَى اِبْن الْكَلْبِيّ أَنَّ اِسْمه صِرْمَة بْن غَنْم , وَكَانَتْ اللَّات بِالطَّائِفِ وَقِيلَ بِنَخْلَة وَقِيلَ بِعُكَاظٍ , وَالْأَوَّل أَصَحّ. وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْفَاكِهِيّ أَيْضًا مِنْ طَرِيق مِقْسَم عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَالَ هِشَام بْن الْكَلْبِيّ : كَانَتْ مَنَاة أَقْدَم مِنْ اللَّات فَهَدَمَهَا عَلِيّ عَام الْفَتْح بِأَمْرِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَكَانَتْ اللَّات أَحْدَث مِنْ مَنَاة فَهَدَمَهَا الْمُغِيرَة بْن شُعْبَة بِأَمْرِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا أَسْلَمَتْ ثَقِيف , وَكَانَتْ الْعُزَّى أَحْدَث مِنْ اللَّات وَكَانَ الَّذِي اِتَّخَذَهَا ظَالِم بْن سَعْد بِوَادِي نَخْلَة فَوْق ذَات عِرْق فَهَدَمَهَا خَالِد بْن الْوَلِيد بِأَمْرِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَامّ الْفَتْح.