قَوْله ( حَدَّثَنِي إِسْحَاق بْن مَنْصُور ) تَقَدَّمَ فِي تَفْسِير الْبَقَرَة هَذَا الْحَدِيث بِهَذَا السَّنَد , وَبَيَّنْت هُنَاكَ مَا قِيلَ فِيهِ مِنْ تَعْلِيق وَغَيْره , وَوَقَعَ هُنَاكَ " إِسْحَاق " غَيْر مَنْسُوب وَفُسِّرَ بِابْنِ رَاهْوَيْهِ , وَقَدْ ظَهَرَ مِنْ هَذِهِ الطَّرِيق أَنَّهُ اِبْن مَنْصُور , وَلَعَلَّهُ كَانَ عِنْده عَنْهُمَا جَمِيعًا. وَقَوْله " كَانَتْ هَذِهِ الْعِدَّة , تَعْتَدّ عِنْد أَهْل زَوْجهَا وَاجِبًا " كَذَا لِأَبِي ذَرّ عَنْ الْكُشْمِيهَنِيِّ , وَذَكَر " وَاجِبًا " إِمَّا لِأَنَّهُ صِفَة مَحْذُوف أَيْ أَمْرًا وَاجِبًا , أَوْ ضَمَّنَ الْعِدَّة مَعْنَى الِاعْتِدَاد. وَفِي رِوَايَة كَرِيمَة " وَاجِب " عَلَى أَنَّهُ خَبَر مُبْتَدَأ مَحْذُوف , قَالَ اِبْن بَطَّالٍ : ذَهَب مُجَاهِد إِلَى أَنَّ الْآيَة وَهِيَ قَوْله تَعَالَى ( يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَة أَشْهُر وَعَشْرًا ) نَزَلَتْ قَبْل الْآيَة الَّتِي فِيهَا ( وَصِيَّة لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْل غَيْر إِخْرَاج ) كَمَا هِيَ قَبْلهَا فِي التِّلَاوَة , وَكَأَنَّ الْحَامِل لَهُ عَلَى ذَلِكَ اِسْتِشْكَال أَنْ يَكُون النَّاسِخ قَبْل الْمَنْسُوخ , فَرَأَى أَنَّ اِسْتِعْمَالهَا مُمْكِن بِحُكْمِ غَيْر مُتَدَافِع , لِجَوَازِ أَنْ يُوجِب اللَّه عَلَى الْمُعْتَدَّة تَرَبُّص أَرْبَعَة أَشْهُر وَعَشْر وَيُوجِب عَلَى أَهْلهَا أَنْ تَبْقَى عِنْدهمْ سَبْعَة أَشْهُر وَعِشْرِينَ لَيْلَة تَمَام الْحَوْل إِنْ أَقَامَتْ عِنْدهمْ ا ه مُلَخَّصًا. قَالَ : وَهُوَ قَوْل لَمْ يَقْلُهُ أَحَد مِنْ الْمُفَسِّرِينَ غَيْره وَلَا تَابَعَهُ عَلَيْهَا مِنْ الْفُقَهَاء أَحَد , وَأَطْبَقُوا عَلَى أَنَّ آيَة الْحَوْل مَنْسُوخَة وَأَنَّ السُّكْنَى تَبَع لِلْعِدَّةِ , فَلَمَّا نُسِخَ الْحَوْل فِي الْعِدَّة بِالْأَرْبَعَةِ أَشْهُر وَعَشْر نُسِخَتْ السُّكْنَى أَيْضًا. وَقَالَ اِبْن عَبْد الْبَرّ : لَمْ يَخْتَلِف الْعُلَمَاء أَنَّ الْعِدَّة بِالْحَوْلِ نُسِخَتْ إِلَى أَرْبَعَة أَشْهُر وَعَشْر , وَإِنَّمَا اِخْتَلَفُوا فِي قَوْله ( غَيْر إِخْرَاج ) فَالْجُمْهُور عَلَى أَنَّهُ نُسِخَ أَيْضًا , وَرَوَى اِبْن أَبِي نَجِيح عَنْ مُجَاهِد فَذَكَرَ حَدِيث الْبَاب قَالَ : وَلَمْ يُتَابَع عَلَى ذَلِكَ , وَلَا قَالَ أَحَد مِنْ عُلَمَاء الْمُسْلِمِينَ مِنْ الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ بِهِ فِي مُدَّة الْعِدَّة , بَلْ رَوَى اِبْن جُرَيْجٍ عَنْ مُجَاهِد فِي قَدْرهَا مِثْل مَا عَلَيْهِ النَّاس , فَارْتَفَعَ الْخِلَاف وَاخْتَصَّ مَا نُقِلَ عَنْ مُجَاهِد وَغَيْره بِمُدَّةِ السُّكْنَى , عَلَى أَنَّهُ أَيْضًا شَاذّ لَا يُعَوَّل عَلَيْهِ. وَاَللَّه أَعْلَم