انتقل إلى المحتوى
السبيل

الشرح القديم لـصحيح البخاري ⁦581⁩

ابن حجر العسقلاني — فتح الباري

قَوْله : ( هِشَامٌ ) هُوَ اِبْن أَبِي عَبْد اللَّه الدَّسّْتُوَائِيُّ.

قَوْله : ( عَنْ أَبِي الْعَالِيَة ) هُوَ الرِّيَاحِيُّ بِالْيَاءِ التَّحْتَانِيَّة وَاسْمُهُ رُفَيْعٌ بِالتَّصْغِيرِ , وَوَقَعَ مُصَرَّحًا بِهِ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ رِوَايَة غُنْدَرٍ عَنْ شُعْبَةَ , وَأَوْرَدَ الْمُصَنِّف طَرِيق يَحْيَى وَهُوَ الْقَطَّانُ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ قَتَادَةَ سَمِعْت أَبَا الْعَالِيَة. وَالسِّرّ فِيهَا التَّصْرِيح بِسَمَاعِ قَتَادَةَ لَهُ مِنْ أَبِي الْعَالِيَة وَإِنْ كَانَتْ طَرِيق هِشَامٍ أَعْلَى مِنْهَا.

قَوْله : ( شَهِدَ عِنْدِي ) أَيْ أَعْلَمَنِي أَوْ أَخْبَرَنِي , وَلَمْ يُرِدْ شَهَادَةَ الْحُكْمِ.

قَوْله : ( مَرْضِيُّونَ ) أَيْ لَا شَكَّ فِي صِدْقِهِمْ وَدِينِهِمْ , وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق يَزِيدَ بْن زُرَيْعٍ عَنْ هَمَّامٍ " شَهِدَ عِنْدِي رِجَال مَرْضِيُّونَ فِيهِمْ عُمَر " وَلَهُ مِنْ رِوَايَة شُعْبَة " حَدَّثَنِي رِجَال أَحَبُّهُمْ إِلَيَّ عُمَرُ.

قَوْله : ( نَاس بِهَذَا ) أَيْ بِهَذَا الْحَدِيث بِمَعْنَاهُ , فَإِنَّ مُسَدَّدًا رَوَاهُ وَمِنْ طَرِيقِهِ الْبَيْهَقِيُّ وَلَفْظه " حَدَّثَنِي نَاس أَعْجَبُهُمْ إِلَيَّ عُمَر " وَقَالَ فِيهِ " حَتَّى تَطْلُع الشَّمْس " وَوَقَعَ فِي التِّرْمِذِيّ عَنْهُ " سَمِعْت غَيْر وَاحِد مِنْ أَصْحَاب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْهُمْ عُمَر , وَكَانَ مِنْ أَحَبِّهِمْ إِلَيَّ ".

قَوْله : ( بَعْدَ الصُّبْح ) أَيْ بَعْدَ صَلَاة الصُّبْح لِأَنَّهُ لَا جَائِز أَنْ يَكُون الْحُكْم فِيهِ مُعَلَّقًا بِالْوَقْتِ , إِذْ لَا بُدَّ مِنْ أَدَاء الصُّبْح , فَتَعَيَّنَ التَّقْدِير الْمَذْكُور. قَالَ اِبْن دَقِيق الْعِيد : هَذَا الْحَدِيث مَعْمُول بِهِ عِنْد فُقَهَاء الْأَمْصَار , وَخَالَفَ بَعْض الْمُتَقَدِّمِينَ وَبَعْض الظَّاهِرِيَّة مِنْ بَعْض الْوُجُوه.

قَوْله : ( حَتَّى تُشْرِقَ ) بِضَمِّ أَوَّله مِنْ أَشْرَقَ , يُقَال أَشْرَقَتْ الشَّمْس اِرْتَفَعَتْ وَأَضَاءَتْ , وَيُؤَيِّدهُ حَدِيث أَبِي سَعِيد الْآتِي فِي الْبَاب بَعْدَهُ بِلَفْظِ " حَتَّى تَرْتَفِع الشَّمْس " وَيُرْوَى بِفَتْحِ أَوَّله وَضَمِّ ثَالِثه بِوَزْنِ تَغْرُبُ يُقَال شَرَقَتْ الشَّمْس أَيْ طَلَعَتْ , وَيُؤَيِّدهُ رِوَايَة الْبَيْهَقِيِّ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى عَنْ اِبْن عُمَر شَيْخ الْبُخَارِيّ فِيهِ بِلَفْظِ " حَتَّى تُشْرِقَ الشَّمْس أَوْ تَطْلُع " عَلَى الشَّكِّ , وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ فِي رِوَايَة مُسَدَّدٍ " حَتَّى تَطْلُع الشَّمْس " بِغَيْرِ شَكٍّ , وَكَذَا هُوَ فِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة الْآتِي آخِرَ الْبَاب بِلَفْظِ " حَتَّى تَطْلُع الشَّمْس " بِالْجَزْمِ , وَيُجْمَعُ بَيْن الْحَدِيثَيْنِ بِأَنَّ الْمُرَاد بِالطُّلُوعِ طُلُوع مَخْصُوص , أَيْ حَتَّى تَطْلُع مُرْتَفِعَة. قَالَ النَّوَوِيّ : أَجْمَعَتْ الْأُمَّة عَلَى كَرَاهَة صَلَاة لَا سَبَب لَهَا فِي الْأَوْقَات الْمَنْهِيِّ عَنْهَا , وَاتَّفَقُوا عَلَى جَوَاز الْفَرَائِض الْمُؤَدَّاة فِيهَا , وَاخْتَلَفُوا فِي النَّوَافِل الَّتِي لَهَا سَبَب كَصَلَاةِ تَحِيَّة الْمَسْجِد وَسُجُود التِّلَاوَة وَالشُّكْر وَصَلَاة الْعِيد وَالْكُسُوف وَصَلَاة الْجِنَازَة وَقَضَاء الْفَائِتَة , فَذَهَبَ الشَّافِعِيّ وَطَائِفَة إِلَى جَوَاز ذَلِكَ كُلّه بِلَا كَرَاهَة , وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَة وَآخَرُونَ إِلَى أَنَّ ذَلِكَ دَاخِل فِي عُمُوم النَّهْيِ , وَاحْتَجَّ الشَّافِعِيّ بِأَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَضَى سُنَّةَ الظُّهْر بَعْدَ الْعَصْر , وَهُوَ صَرِيح فِي قَضَاء السُّنَّةِ الْفَائِتَة فَالْحَاضِرَة أَوْلَى وَالْفَرِيضَة الْمَقْضِيَّة أَوْلَى , وَيَلْتَحِق مَا لَهُ سَبَب. قُلْت : وَمَا نَقَلَهُ مِنْ الْإِجْمَاع وَالِاتِّفَاق مُتَعَقَّبٌ , فَقَدْ حَكَى غَيْره عَنْ طَائِفَة مِنْ السَّلَف الْإِبَاحَة مُطْلَقًا وَأَنَّ أَحَادِيث النَّهْيِ مَنْسُوخَة , وَبِهِ قَالَ دَاوُدُ وَغَيْره مِنْ أَهْل الظَّاهِر , وَبِذَلِكَ جَزَمَ اِبْن حَزْمٍ , وَعَنْ طَائِفَة أُخْرَى الْمَنْع مُطْلَقًا فِي جَمِيع الصَّلَوَات , وَصَحَّ عَنْ أَبِي بَكْرَةَ وَكَعْب بْن عُجْرَةَ الْمَنْع مِنْ صَلَاة الْفَرْض فِي هَذِهِ الْأَوْقَات , وَحَكَى آخَرُونَ الْإِجْمَاع عَلَى جَوَاز صَلَاة الْجِنَازَة فِي الْأَوْقَات الْمَكْرُوهَة , وَهُوَ مُتَعَقَّب بِمَا سَيَأْتِي فِي بَابِهِ , وَمَا اِدَّعَاهُ اِبْن حَزْمٍ وَغَيْره مِنْ النَّسْخ مُسْتَنِدًا إِلَى حَدِيث " مَنْ أَدْرَكَ مِنْ الصُّبْح رَكْعَة قَبْل أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْس فَلْيُصَلِّ إِلَيْهَا أُخْرَى " فَدَلَّ عَلَى إِبَاحَة الصَّلَاة فِي الْأَوْقَات الْمَنْهِيَّةِ. اِنْتَهَى. وَقَالَ غَيْرهمْ : اِدِّعَاء التَّخْصِيص أَوْلَى مِنْ اِدِّعَاء النَّسْخ فَيُحْمَلُ النَّهْي عَلَى مَا لَا سَبَب لَهُ , وَيَخُصّ مِنْهُ مَا لَهُ سَبَب صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَمْعًا بَيْن الْأَدِلَّة , وَاَللَّه أَعْلَم. وَقَالَ الْبَيْضَاوِيُّ : اِخْتَلَفُوا فِي جَوَاز الصَّلَاة بَعْد الصُّبْح وَالْعَصْر وَعِنْدَ الطُّلُوع وَالْغُرُوب وَعِنْدَ الِاسْتِوَاء , فَذَهَبَ دَاوُدُ إِلَى الْجَوَاز مُطْلَقًا وَكَأَنَّهُ حَمَلَ النَّهْي عَلَى التَّنْزِيه. قُلْت : بَلْ الْمَحْكِيّ عَنْهُ أَنَّهُ اِدَّعَى النَّسْخ كَمَا تَقَدَّمَ , قَالَ : وَقَالَ الشَّافِعِيّ تَجُوز الْفَرَائِض وَمَا لَهُ سَبَب مِنْ النَّوَافِل , وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة : يَحْرُمُ الْجَمِيع سِوَى عَصْر يَوْمه , وَتَحْرُمُ الْمَنْذُورَة أَيْضًا. وَقَالَ مَالِك : تَحْرُمُ النَّوَافِل دُونَ الْفَرَائِض , وَوَافَقَهُ أَحْمَد , لَكِنَّهُ اِسْتَثْنَى رَكْعَتَيْ الطَّوَاف. ( تَنْبِيهٌ ) : لَمْ يَقَع لَنَا تَسْمِيَة الرِّجَال الْمَرْضِيِّينَ الَّذِينَ حَدَّثُوا اِبْن عَبَّاس بِهَذَا الْحَدِيث , وَبَلَغَنِي أَنَّ بَعْض مَنْ تَكَلَّمَ عَلَى الْعُمْدَة تَجَاسَرَ وَزَعَمَ أَنَّهُمْ الْمَذْكُورُونَ فِيهَا عِنْد قَوْل مُصَنِّفِهَا : وَفِي الْبَاب عَنْ فُلَان وَفُلَان. وَلَقَدْ أَخْطَأَ هَذَا الْمُتَجَاسِرُ خَطَأً بَيِّنًا فَلَا حَوْل وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاَللَّهِ.

العودة إلى الحديث

الأحد، 11 أكتوبر 2026 30 ربيع الآخر 1448 هـ