حَدِيث سَلَمَة بْن الْأَكْوَع فِي قِصَّة عَامِر بْن الْأَكْوَع , تَقَدَّمَ شَرْحه مُسْتَوْفًى فِي غَزْوَة خَيْبَر مِنْ كِتَاب الْمَغَازِي , وَقَوْله فِيهِ : " وَكَانَ عَامِر رَجُلًا شَاعِرًا فَنَزَلَ يَحْدُو بِالْقَوْمِ " يُؤْخَذ مِنْهُ جَمِيع التَّرْجَمَة لِاشْتِمَالِهِ عَلَى الشِّعْر وَالرَّجَز وَالْحُدَاء وَيُؤْخَذ مِنْهُ الرَّجَز مِنْ جُمْلَة الشِّعْر , وَقَوْله : " اللَّهُمَّ لَوْلَا أَنْتَ مَا اِهْتَدَيْنَا " قَالَ اِبْن التِّين : هَذَا لَيْسَ بِشِعْرٍ وَلَا رَجَز لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَوْزُونٍ , وَلَيْسَ كَمَا قَالَ بَلْ هُوَ رَجَز مَوْزُون , وَإِنَّمَا زِيدَ فِي أَوَّله سَبَب خَفِيف وَيُسَمَّى الْخَزْم بِالْمُعْجَمَتَيْنِ وَقَوْله : " فَاغْفِرْ فِدَاء لَك مَا اِقْتَفَيْنَا " أَمَّا فِدَاء فَهُوَ بِكَسْرِ الْفَاء وَالْمَدّ مَنُون , وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولهُ بِالْقَصْرِ , وَشَرْط اِتِّصَاله بِحَرْفِ الْجَرّ كَاَلَّذِي هُنَا , قَالَهُ اِبْن التِّين. وَقَالَ الْمَازِرِيُّ لَا يُقَال لِلَّهِ فِدَاء لَك لِأَنَّهَا كَلِمَة تُسْتَعْمَل عِنْدَ تَوَقُّع مَكْرُوه لِشَخْصٍ فَيَخْتَار شَخْص آخَر أَنْ يَحِلّ بِهِ دُون ذَلِكَ الْآخَر وَيَفْدِيه , فَهُوَ إِمَّا مَجَاز عَنْ الرِّضَا كَأَنَّهُ قَالَ : نَفْسِي مَبْذُولَة لِرِضَاك أَوْ هَذِهِ الْكَلِمَة وَقَعَتْ خِطَابًا لِسَامِعِ الْكَلَام , وَقَدْ تَقَدَّمَ لَهُ تَوْجِيه آخَر فِي غَزْوَة خَيْبَر. وَقَالَ اِبْن بَطَّال : مَعْنَاهُ اِغْفِرْ لَنَا مَا اِرْتَكَبْنَاهُ مِنْ الذُّنُوب , وَفِدَاء لَك دُعَاء أَيْ اِفْدِنَا مِنْ عِقَابك عَلَى مَا اِقْتَرَفْنَا مِنْ ذُنُوبنَا , كَأَنَّهُ قَالَ : اغْفِرْ لَنَا وَافْدِنَا مِنْك فِدَاء لَك , أَيْ مِنْ عِنْدَك فَلَا تُعَاقِبنَا بِهِ. وَحَاصِله أَنَّهُ جَعَلَ اللَّام لِلتَّبْيِينِ مِثْل هَيْت لَك , وَاسْتَدَلَّ بِجَوَازِ الْحُدَاء عَلَى جَوَاز غِنَاء الرُّكْبَان الْمُسَمَّى بِالنَّصْبِ , وَهُوَ ضَرْب مِنْ النَّشِيد بِصَوْتٍ فِيهِ تَمْطِيط , وَأَفْرَطَ قَوْم فَاسْتَدَلُّوا بِهِ عَلَى جَوَاز الْغِنَاء مُطْلَقًا بِالْأَلْحَانِ الَّتِي تَشْتَمِل عَلَيْهَا الْمُوسِيقَى , وَفِيهِ نَظَرٌ. وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : اُخْتُلِفَ فِيهِ , فَأَبَاحَهُ قَوْم مُطْلَقًا , وَمَنَعَهُ قَوْم مُطْلَقًا , وَكَرِهَهُ مَالِك وَالشَّافِعِيّ فِي أَصَحّ الْقَوْلَيْنِ , وَنُقِلَ عَنْ أَبِي حَنِيفَة الْمَنْع , وَكَذَا أَكْثَر الْحَنَابِلَة. وَنَقَلَ اِبْن طَاهِر فِي " كِتَاب السَّمَاع " الْجَوَاز عَنْ كَثِير مِنْ الصَّحَابَة , لَكِنْ لَمْ يَثْبُت مِنْ ذَلِكَ شَيْء إِلَّا فِي النَّصْب الْمُشَار إِلَيْهِ أَوَّلًا. قَالَ اِبْن عَبْد الْبَرّ : الْغِنَاء الْمَمْنُوع مَا فِيهِ تَمْطِيط وَإِفْسَاد لِوَزْنِ الشِّعْر طَلَبًا لِلطَّرِبِ وَخُرُوجًا مِنْ مَذَاهِب الْعَرَب. وَإِنَّمَا وَرَدَتْ الرُّخْصَة فِي الضَّرْب الْأَوَّل دُون أَلْحَان الْعَجَم. وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : هُوَ الَّذِي لَمْ يَزَلْ أَهْل الْحِجَاز يُرَخِّصُونَ فِيهِ مِنْ غَيْر نَكِير إِلَّا فِي حَالَتَيْنِ : أَنْ يُكْثِر مِنْهُ جِدًّا وَأَنْ يَصْحَبهُ مَا يَمْنَعهُ مِنْهُ. وَاحْتَجَّ مَنْ أَبَاحَهُ بِأَنَّ فِيهِ تَرْوِيحًا لِلنَّفْسِ , فَإِنْ فَعَلَهُ لِيَقْوَى عَلَى الطَّاعَة فَهُوَ مُطِيع أَوْ عَلَى الْمَعْصِيَة فَهُوَ عَاصٍ , وَإِلَّا فَهُوَ مِثْل التَّنَزُّه فِي الْبُسْتَان وَالتَّفَرُّج عَلَى الْمَارَّة. وَأَطْنَبَ الْغَزَالِيّ فِي الِاسْتِدْلَال , وَمُحَصَّله أَنَّ الْحُدَاء بِالرَّجَزِ وَالشِّعْر لَمْ يَزَلْ يُفْعَل فِي الْحَضْرَة النَّبَوِيَّة , وَرُبَّمَا اُلْتُمِسَ ذَلِكَ , وَلَيْسَ هُوَ إِلَّا أَشْعَار تُوزَن بِأَصْوَاتٍ طَيِّبَة وَأَلْحَان مَوْزُونَة , وَكَذَلِكَ الْغِنَاء أَشْعَار مَوْزُونَة تُؤَدَّى بِأَصْوَاتٍ مُسْتَلَذَّة وَأَلْحَان مَوْزُونَة. وَقَدْ تَقَدَّمَ لَهُ بِوَجْهٍ آخَر فِي غَزْوَة خَيْبَر وَالْحَلِيمِيّ مَا تَعَيَّنَ طَرِيقًا إِلَى الدَّوَاء أَوْ شَهِدَ بِهِ طَبِيب عَدْل عَارِف.