ثُمَّ أَوْرَدَ الْمُصَنِّف طَرَفًا مِنْ حَدِيث مُجَاهِد عَنْ أَبِي هُرَيْرَة قَالَ " دَخَلْت مَعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَوَجَدَ لَبَنًا فِي قَدَح فَقَالَ : أَبَا هِرّ , اِلْحَقْ أَهْل الصُّفَّة فَادْعُهُمْ إِلَيَّ. قَالَ : فَأَتَيْتهمْ فَدَعَوْتهمْ فَأَقْبَلُوا , فَاسْتَأْذَنُوا فَأَذِنَ لَهُمْ , فَدَخَلُوا " اقْتَصِر مِنْهُ عَلَى هَذَا الْقَدْر لِأَنَّهُ الَّذِي احْتَاج إِلَيْهِ هُنَا , وَسَاقَهُ فِي الرِّقَاق بِتَمَامِهِ كَمَا سَيَأْتِي , وَظَاهِره يُعَارِض الْحَدِيث الْأَوَّل وَمِنْ ثَمَّ لَمْ يَجْزِم بِالْحُكْمِ. وَجَمَعَ الْمُهَلَّب وَغَيْره بِتَنْزِيلِ ذَلِكَ عَلَى اِخْتِلَاف حَالَيْنِ : إِنْ طَالَ الْعَهْد بَيْن الطَّلَب وَالْمَجِيء اِحْتَاجَ إِلَى اِسْتِئْنَاف الِاسْتِئْذَان , وَكَذَا إِنْ لَمْ يَطُلْ لَكِنْ كَانَ الْمُسْتَدْعِي فِي مَكَان يُحْتَاج مَعَهُ إِلَى الْإِذْن فِي الْعَادَة , وَإِلَّا لَمْ يَحْتَجْ إِلَى اِسْتِئْنَاف إِذْن. وَقَالَ اِبْن التِّين : لَعَلَّ الْأَوَّل فِيمَنْ عُلِمَ أَنَّهُ لَيْسَ عِنْده مَنْ يُسْتَأْذَن لِأَجْلِهِ , وَالثَّانِي بِخِلَافِهِ. قَالَ : وَالِاسْتِئْذَان عَلَى كُلّ حَال أَحْوَط. وَقَالَ غَيْره : إِنْ حَضَرَ صُحْبَة الرَّسُول أَغْنَاهُ اِسْتِئْذَان الرَّسُول " وَيَكْفِيه سَلَام الْمُلَاقَاة , وَإِنْ تَأَخَّرَ عَنْ الرَّسُول اِحْتَاجَ إِلَى الِاسْتِئْذَان. وَبِهَذَا جَمَعَ الطَّحَاوِيُّ , وَاحْتَجَّ بِقَوْلِهِ فِي الْحَدِيث الثَّانِي " فَأَقْبَلُوا فَاسْتَئْذَنُوا " فَدَلَّ عَلَى أَنَّ أَبَا هُرَيْرَة لَمْ يَكُنْ مَعَهُمْ وَإِلَّا لَقَالَ فَأَقْبَلْنَا , كَذَا قَالَ.