قَوْله : ( وَنَحْنُ شَبَبَة ) بِفَتْحِ الْمُعْجَمَة وَالْمُوَحَّدَتَيْنِ جَمْعُ شَابٍّ , زَادَ فِي الْأَدَب مِنْ طَرِيق اِبْن عُلَيَّةَ عَنْ أَيُّوب " شَبَبَة مُتَقَارِبُونَ " وَالْمُرَاد تَقَارُبُهُمْ فِي السِّنّ , لِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي حَال قُدُومِهِمْ.
قَوْله : ( نَحْوًا مِنْ عِشْرِينَ ) فِي رِوَايَة اِبْن عُلَيَّةَ الْمَذْكُورَة الْجَزْم بِهِ وَلَفْظه " فَأَقَمْنَا عِنْدَهُ عِشْرِينَ لَيْلَةً " وَالْمُرَاد بِأَيَّامِهَا , وَوَقَعَ التَّصْرِيح بِذَلِكَ فِي رِوَايَته فِي خَبَر الْوَاحِد مِنْ طَرِيق عَبْد الْوَهَّاب عَنْ أَيُّوب.
قَوْله : ( رَحِيمًا فَقَالَ لَوْ رَجَعْتُمْ ) فِي رِوَايَة اِبْن عُلَيَّةَ وَعَبْد الْوَهَّاب " رَحِيمًا رَقِيقًا " فَظَنَّ أَنَّا اِشْتَقْنَا إِلَى أَهْلنَا , وَسَأَلَنَا عَمَّنْ تَرَكْنَا بَعْدَنَا فَأَخْبَرْنَاهُ فَقَالَ : اِرْجِعُوا إِلَى أَهْلِيكُمْ فَأَقِيمُوا فِيهِمْ وَعَلِّمُوهُمْ " , وَيُمْكِنُ الْجَمْع بَيْنَهُمَا بِأَنْ يَكُون عَرَضَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ عَلَى طَرِيق الْإِينَاس بِقَوْلِهِ " لَوْ رَجَعْتُمْ " إِذْ لَوْ بَدَأَهُمْ بِالْأَمْرِ بِالرُّجُوعِ لَأَمْكَنَ أَنْ يَكُون فِيهِ تَنْفِير فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونُوا أَجَابُوهُ بِنَعَمْ فَأَمَرَهُمْ حِينَئِذٍ بِقَوْلِهِ " اِرْجِعُوا " , وَاقْتِصَار الصَّحَابِيّ عَلَى ذِكْر سَبَب الْأَمْر بِرُجُوعِهِمْ بِأَنَّهُ الشَّوْق إِلَى أَهْلِيهِمْ دُونَ قَصْد التَّعْلِيم هُوَ لِمَا قَامَ عِنْدَهُ مِنْ الْقَرِينَة الدَّالَّة عَلَى ذَلِكَ , وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُون عُرِفَ ذَلِكَ بِتَصْرِيحِ الْقَوْل مِنْهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِنْ كَانَ سَبَب تَعْلِيمهمْ قَوْمهمْ أَشْرَفَ فِي حَقّهمْ , لَكِنَّهُ أَخْبَرَ بِالْوَاقِعِ وَلَمْ يَتَزَيَّن بِمَا لَيْسَ فِيهِمْ , وَلَمَّا كَانَتْ نِيَّتهمْ صَادِقَة صَادَفَ شَوْقهمْ إِلَى أَهْلهمْ الْحَظّ الْكَامِل فِي الدِّين وَهُوَ أَهْلِيَّة التَّعْلِيم كَمَا قَالَ الْإِمَام أَحْمَد فِي الْحِرْص عَلَى طَلَب الْحَدِيث : حَظٌّ وَافَقَ حَقًّا.
قَوْله : ( وَلْيَؤُمَّكُمْ أَكْبَركُمْ ) ظَاهِره تَقْدِيم الْأَكْبَر بِكَثِيرِ السِّنّ وَقَلِيله , وَأَمَّا مَنْ جَوَّزَ أَنْ يَكُون مُرَاده بِالْكِبَرِ مَا هُوَ أَعَمُّ مِنْ السِّنّ أَوْ الْقَدْر كَالتَّقَدُّمِ فِي الْفِقْه وَالْقِرَاءَة وَالدِّين فَبَعِيدٌ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ فَهْمِ رَاوِي الْخَبَر حَيْثُ قَالَ لِلتَّابِعِيِّ " فَأَيْنَ الْقِرَاءَة " فَإِنَّهُ دَالٌّ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ كِبَرَ السِّنّ , وَكَذَا دَعْوَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ قَوْله " وَلْيَؤُمَّكُمْ أَكْبَركُمْ " مُعَارَضٌ بِقَوْلِهِ " يَؤُمّ الْقَوْم أَقْرَؤُهُمْ " لِأَنَّ الْأَوَّل يَقْتَضِي تَقْدِيم الْأَكْبَر عَلَى الْأَقْرَأ وَالثَّانِي عَكْسُهُ , ثُمَّ اِنْفَصَلَ عَنْهُ بِأَنَّ قِصَّة مَالِكِ بْن الْحُوَيْرِثِ وَاقِعَةُ عَيْنٍ قَابِلَة لِلِاحْتِمَالِ بِخِلَافِ الْحَدِيث الْآخَر فَإِنَّهُ تَقْرِير قَاعِدَة تُفِيد التَّعْمِيم , قَالَ : فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُون الْأَكْبَر مِنْهُمْ كَانَ يَوْمَئِذٍ هُوَ الْأَفْقَهُ. اِنْتَهَى. وَالتَّنْصِيص عَلَى تَقَارُبِهِمْ فِي الْعِلْم يَرِدُ عَلَيْهِ , فَالْجَمْع الَّذِي قَدَّمْنَاهُ أَوْلَى وَاللَّهُ أَعْلَم. وَفِي الْحَدِيث أَيْضًا فَضْل الْهِجْرَة وَالرِّحْلَة فِي طَلَب الْعِلْم وَفَضْل التَّعْلِيم , وَمَا كَانَ عَلَيْهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الشَّفَقَة وَالِاهْتِمَام بِأَحْوَالِ الصَّلَاة وَغَيْرهَا مِنْ أُمُور الدِّين , وَإِجَازَة خَبَر الْوَاحِد وَقِيَام الْحُجَّة بِهِ , وَتَقَدَّمَ الْكَلَام عَلَى بَقِيَّة فَوَائِده فِي " بَاب مَنْ قَالَ يُؤَذِّنُ فِي السَّفَر مُؤَذِّن وَاحِد ". وَيَأْتِي الْكَلَام عَلَى قَوْله صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي فِي " بَاب إِجَازَة خَبَر الْوَاحِد " إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى.