انتقل إلى المحتوى
السبيل

الشرح القديم لـصحيح البخاري ⁦6957⁩

ابن حجر العسقلاني — فتح الباري

قَوْله ( حَدَّثَنَا إِسْحَاق ) هُوَ اِبْن رَاهْوَيْهِ كَمَا جَزَمَ بِهِ أَبُو نُعَيْم فِي الْمُسْتَخْرَج. قَوْله ( يَكُون كَنْز أَحَدكُمْ يَوْم الْقِيَامَة شُجَاعًا أَقْرَعَ ) الْمُرَاد بِالْكَنْزِ الْمَال الَّذِي يُخَبَّأ مِنْ غَيْر أَنْ يُؤَدِّي زَكَاته كَمَا تَقَدَّمَ تَقْرِيره فِي كِتَاب الزَّكَاة , وَوَقَعَ هُنَاكَ فِي رِوَايَة أَبِي صَالِح عَنْ أَبِي هُرَيْرَة بِلَفْظِ " مَنْ أَعْطَاهُ اللَّهُ مَالًا فَلَمْ يُؤَدِّ زَكَاته مُثِّلَ لَهُ يَوْم الْقِيَامَة شُجَاعًا أَقْرَعَ " فَذَكَرَ نَحْوه , وَبِهِ تَظْهَر مُنَاسَبَة ذِكْره فِي هَذَا الْبَاب. قَوْله ( أَنَا كَنْز ) هَذَا زَائِد فِي هَذِهِ الطَّرِيق. قَوْله ( وَاَللَّه لَنْ يَزَال ) فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ " لَا " بَدَل " لَنْ ". قَوْله ( حَتَّى يَبْسُط يَده ) أَيْ صَاحِب الْمَال. قَوْله ( فَيُلْقِمهَا فَاهُ ) يَحْتَمِل أَنْ يَكُون فَاعِل يُلْقِمهَا الْكَانِز أَوْ الشُّجَاع , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة أَبِي صَالِح " فَيَأْخُذ بِلِهْزِمَتَيْهِ " أَيْ يَأْخُذ الشُّجَاع يَد الْكَانِز بِشِدْقَيْهِ وَهُمَا اللِّهْزِمَتَانِ كَمَا أَوْضَحْته هُنَاكَ. قَوْله ( وَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) هُوَ مَوْصُول بِالسَّنَدِ الْمَذْكُور , وَهُوَ مِنْ نُسْخَة هَمَّام عَنْ أَبِي هُرَيْرَة , وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ عَنْ عَبْد الرَّزَّاق تَقَدَّمَ هَذَا عَلَى الَّذِي قَبْله. قَوْله ( إِذَا مَا رَبّ النَّعَم ) مَا زَائِدَةٌ وَالرَّبّ الْمَالِك وَالنَّعَم بِفَتْحَتَيْنِ الْإِبِل وَالْغَنَم وَالْبَقَر , وَقِيلَ الْإِبِل وَالْغَنَم فَقَطْ حَكَاهُ فِي الْمُحْكَم , وَقِيلَ الْإِبِل فَقَطْ , وَيُؤَيِّد الْأَوَّل قَوْله تَعَالَى ( وَمِنْ الْأَنْعَام حَمُولَة وَفُرُشًا ) , ثُمَّ فَسَّرَهُ بِالْإِبِلِ وَالْبَقَر وَالْغَنَم , وَيُؤَيِّد الثَّالِثَ اِقْتِصَارُهُ هُنَا عَلَى الْأَخْفَاف فَإِنَّهَا لِلْإِبِلِ خَاصَّة , وَالْمُرَاد بِقَوْلِهِ " حَقّهَا " زَكَاتهَا وَصَرَّحَ بِهِ فِي حَدِيث أَبِي ذَرّ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الزَّكَاة أَتَمَّ مِنْهُ. قَوْله ( وَقَالَ بَعْض النَّاس فِي رَجُل لَهُ إِبِل فَخَافَ أَنْ تَجِب عَلَيْهِ الصَّدَقَة فَبَاعَهَا بِإِبِلٍ مِثْلهَا أَوْ بِغَنَمٍ أَوْ بَقَر أَوْ بِدَرَاهِم فِرَارًا مِنْ الصَّدَقَة بِيَوْمٍ اِحْتِيَالًا فَلَا شَيْء عَلَيْهِ , وَهُوَ يَقُول إِنْ زَكَّى إِبِله قَبْل أَنْ يَحُول الْحَوْل بِيَوْمٍ أَوْ سَنَة جَازَتْ عَنْهُ ) فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ " أَجْزَأَتْ عَنْهُ " وَيُعْرَف , تَقْرِيرُ مَذْهَب الْحَنَفِيَّة مِمَّا مَضَى , وَقَدْ تَأَكَّدَ الْمَنْع بِمَسْأَلَةِ التَّعْجِيل قَبْل تَوْجِيه إِلْزَامهمْ التَّنَاقُض أَنَّ مَنْ أَجَازَ التَّقْدِيم لَمْ يُرَاعِ دُخُول الْحَوْل مِنْ كُلّ جِهَة , فَإِذَا كَانَ التَّقْدِيم عَلَى الْحَوْل مُجْزِئًا فَلْيَكُنْ التَّصَرُّف فِيهَا قَبْل الْحَوْل غَيْر مُسْقِط وَأَجَابَ عَنْهُمْ اِبْن بَطَّال بِأَنَّ أَبَا حَنِيفَة لَمْ يَتَنَاقَض فِي ذَلِكَ لِأَنَّهُ لَا يُوجِب الزَّكَاة إِلَّا بِتَمَامِ الْحَوْل وَيَجْعَل مَنْ قَدَّمَهَا كَمَنْ قَدَّمَ دَيْنًا مُؤَجَّلًا قَبْل أَنْ يَحُلّ اِنْتَهَى , وَالتَّنَاقُض لَازِم لِأَبِي يُوسُف لِأَنَّهُ يَقُول إِنَّ الْحُرْمَة تُجَامِع الْفَرْض كَطَوَافِ الْعَارِي , وَلَوْ لَمْ يَتَقَرَّر الْوُجُوب لَمْ يَجُزْ التَّعْجِيل قَبْل الْحَوْل. وَقَدْ اِخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِيمَنْ بَاعَ إِبِلًا بِمِثْلِهَا فِي أَثْنَاء الْحَوْل : فَذَهَبَ الْجُمْهُور إِلَى أَنَّ الْبِنَاء عَلَى حَوْلٍ الْأَوْلَى لِاتِّحَادِ الْجِنْس وَالنِّصَاب , وَالْمَأْخُوذ عَنْ الشَّافِعِيّ قَوْلَانِ وَاخْتَلَفُوا فِي بَيْعهَا بِغَيْرِ جِنْسهَا فَقَالَ الْجُمْهُور : يَسْتَأْنِف لِاخْتِلَافِ النِّصَاب , وَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ فِرَارًا مِنْ الزَّكَاة أَثِمَ , وَلَوْ قُلْنَا يَسْتَأْنِف. وَعَنْ أَحْمَدَ إِذَا مَلَكَهَا سِتَّة أَشْهُرٍ ثُمَّ بَاعَهَا بِنَقْدٍ زَكَّى الدَّرَاهِم عَنْ سِتَّة أَشْهُر مِنْ يَوْم الْبَيْع. وَنَقَلَ شَيْخنَا اِبْن الْمُلَقِّن عَنْ اِبْن التِّين أَنَّهُ قَالَ : إِنَّ الْبُخَارِيّ إِنَّمَا أَتَى بِقَوْلِهِ " مَانِع الزَّكَاة " لِيَدُلّ عَلَى أَنَّ الْفِرَار مِنْ الزَّكَاة لَا يَحِلّ فَهُوَ مُطَالَب بِذَلِكَ فِي الْآخِرَة , قَالَ شَيْخنَا : وَهَذَا لَمْ نَرَهُ فِي الْبُخَارِيّ. قُلْت : بَلْ هُوَ فِيهِ بِالْمَعْنَى فِي قَوْله " إِذَا مَا رَبّ النَّعَم لَمْ يُعْطِ حَقَّهَا " فَهَذَا هُوَ مَانِع الزَّكَاة.

العودة إلى الحديث

الأحد، 11 أكتوبر 2026 30 ربيع الآخر 1448 هـ