انتقل إلى المحتوى
السبيل

الشرح القديم لـصحيح البخاري ⁦7161⁩

ابن حجر العسقلاني — فتح الباري

قَوْله ( مَا كَانَ عَلَى ظَهْر الْأَرْض أَهْل خِبَاء أَحَبّ إِلَخْ ) تَقَدَّمَ فِي السِّيرَة النَّبَوِيَّة فِي الْمَنَاقِب وَالْكَلَام عَلَيْهِ , وَتَقَدَّمَ شَرْح مَا تَضَمَّنَهُ الْحَدِيث الْمَذْكُور فِي " كِتَاب النَّفَقَات " وَفِيهِ بَيَان اِسْتِدْلَال مَنْ اِسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى جَوَاز حُكْم الْحَاكِم بِعِلْمِهِ وَرَدّ قَوْل الْمُسْتَدِلّ بِهِ عَلَى الْحُكْم عَلَى الْغَائِب. قَالَ اِبْن بَطَّال : اِحْتَجَّ مَنْ أَجَازَ لِلْقَاضِي أَنْ يَحْكُم بِعِلْمِهِ بِحَدِيثِ الْبَاب فَإِنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَضَى لَهَا بِوُجُوبِ النَّفَقَة لَهَا وَلِوَلَدِهَا لِعِلْمِهِ بِأَنَّهَا زَوْجَة أَبِي سُفْيَان وَلَمْ يَلْتَمِس عَلَى ذَلِكَ بَيِّنَة , وَمِنْ حَيْثُ النَّظَر أَنَّ عِلْمه أَقْوَى مِنْ الشَّهَادَة لِأَنَّهُ يَتَيَقَّن مَا عَلِمَهُ , وَالشَّهَادَة قَدْ تَكُون كَذِبًا , وَحُجَّة مَنْ مَنَعَ قَوْله حَدِيث أُمّ سَلَمَة " إِنَّمَا أَقْضِي لَهُ بِمَا أَسْمَع " وَلَمْ يَقُلْ بِمَا أَعْلَم. وَقَالَ لَلْحَضْرَمِيّ " شَاهِدَاك أَوْ يَمِينه " وَفِيهِ " وَلَيْسَ لَك إِلَّا ذَلِكَ " وَلِمَا يُخْشَى مِنْ قُضَاة السُّوء أَنْ يَحْكُم أَحَدهمْ بِمَا شَاءَ وَيُحِيل عَلَى عِلْمه اِحْتَجَّ مَنْ مَنَعَ مُطْلَقًا بِالتُّهْمَةِ , وَاحْتَجَّ مَنْ فَصَّلَ بِأَنَّ الَّذِي عَلِمَهُ الْحَاكِم قَبْلَ الْقَضَاء كَانَ عَلَى طَرِيق الشَّهَادَة فَلَوْ حَكَمَ بِهِ لَحَكَمَ بِشَهَادَةِ نَفْسه فَصَارَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ قَضَى بِدَعْوَاهُ عَلَى غَيْره , وَأَيْضًا فَيَكُون كَالْحَاكِمِ بِشَاهِدٍ وَاحِد , وَقَدْ تَقَدَّمَ لَهُ تَعْلِيل آخَر وَأَمَّا فِي حَال الْقَضَاء فَفِي حَدِيث أُمّ سَلَمَة " فَإِنَّمَا أَقْضِي لَهُ عَلَى نَحْو مَا أَسْمَع " وَلَمْ يُفَرِّق بَيْن سَمَاعه مِنْ شَاهِد أَوْ مُدَّعٍ , وَسَيَأْتِي تَفْصِيل الْمَذَاهِب فِي الْحُكْم بِالْعِلْمِ فِي " بَاب الشَّهَادَة تَكُون عِنْدَ الْحَاكِم فِي وِلَايَة الْقَضَاء " وَقَالَ اِبْن الْمُنِير : لَمْ يَتَعَرَّض اِبْن بَطَّال لِمَقْصُودِ الْبَاب , وَذَلِكَ أَنَّ الْبُخَارِيّ اِحْتَجَّ لِجَوَازِ الْحُكْم بِالْعِلْمِ بِقِصَّةِ هِنْد , فَكَانَ يَنْبَغِي لِلشَّارِحِ أَنْ يَتَعَقَّب ذَلِكَ بِأَنْ لَا دَلِيل فِيهِ لِأَنَّهُ خَرَجَ مَخْرَج الْفُتْيَا وَكَلَام الْمُفْتِي يَتَنَزَّل عَلَى تَقْدِير صِحَّة إِنْهَاء الْمُسْتَفْتِي , فَكَأَنَّهُ قَالَ : إِنْ ثَبَتَ أَنَّهُ يَمْنَعك حَقَّك جَازَ لَك اِسْتِيفَاؤُهُ مَعَ الْإِمْكَان. قَالَ : وَقَدْ أَجَابَ بَعْضهمْ بِأَنَّ الْأَغْلَب مِنْ أَحْوَال النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْحُكْم وَالْإِلْزَام , فَيَجِب تَنْزِيل لَفْظه " عَلَيْهِ " لَكِنْ يَرُدّ عَلَيْهِ أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا ذَكَرَ فِي قِصَّة هِنْد أَنَّهُ يَعْلَم صِدْقهَا , بَلْ ظَاهِر الْأَمْر أَنَّهُ لَمْ يَسْمَع هَذِهِ الْقِصَّة إِلَّا مِنْهَا فَكَيْف يَصِحّ الِاسْتِدْلَال بِهِ عَلَى حُكْم الْحَاكِم بِعِلْمِهِ ؟. قُلْت : وَمَا اِدَّعَى نَفْيه بَعِيد , فَإِنَّهُ لَوْ لَمْ يَعْلَم صِدْقهَا لَمْ يَأْمُرهَا بِالْأَخْذِ ; وَاطِّلَاعه عَلَى صِدْقهَا مُمْكِن بِالْوَحْيِ دُونَ مَنْ سِوَاهُ فَلَا بُدَّ مِنْ سَبْق عِلْم , وَيُؤَيِّد اِطِّلَاعه عَلَى حَالهَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَذْكُرَ مَا ذَكَرَتْ مِنْ الْمُصَاهَرَة , وَلِأَنَّهُ قَبِلَ قَوْلهَا إِنَّهَا زَوْجَة أَبِي سُفْيَان بِغَيْرِ بَيِّنَة وَاكْتَفَى فِيهِ بِالْعِلْمِ , وَلِأَنَّهُ لَوْ كَانَتْ فُتْيَا لَقَالَ مَثَلًا تَأْخُذ , فَلَمَّا أَتَى بِصِيغَةِ الْأَمْر بِقَوْلِهِ " خُذِي " دَلَّ عَلَى الْحُكْم , وَسَيَأْتِي لِهَذَا مَزِيد فِي " بَاب الْقَضَاء عَلَى الْغَائِب " ثُمَّ قَالَ اِبْن الْمُنِير أَيْضًا : لَوْ كَانَ حُكْمًا لَاسْتَدْعَى مَعْرِفَة الْمَحْكُوم بِهِ , وَالْوَاقِع أَنَّ الْمَحْكُوم بِهِ غَيْر مُعَيَّن , كَذَا قَالَ وَاَللَّه أَعْلَم.

العودة إلى الحديث

الأحد، 11 أكتوبر 2026 30 ربيع الآخر 1448 هـ