قَوْله ( عَنْ سَلَمَة ) تَقَدَّمَ فِي " بَاب الْبَيْعَة " فِي الْحَرْب مِنْ " كِتَاب الْجِهَاد " مِنْ رِوَايَة الْمَكِّيّ بْن إِبْرَاهِيم , حَدَّثَنَا يَزِيد بْن أَبِي عُبَيْد عَنْ سَلَمَة بِأَتَمَّ مِنْ هَذَا السِّيَاق وَفِيهِ بَايَعْت النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ عَدَلْت إِلَى ظِلّ شَجَرَة فَلَمَّا خَفَّ النَّاس قَالَ " يَا اِبْن الْأَكْوَع أَلَا تُبَايِع ". قَوْله ( قَدْ بَايَعَتْ فِي الْأَوَّل قَالَ وَفِي الثَّانِي ) وَالْمُرَاد بِذَلِكَ الْوَقْت , وَفِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيِّ " فِي الْأُولَى " بِالتَّأْنِيثِ قَالَ " وَفِي الثَّانِيَة " وَالْمُرَاد السَّاعَة أَوْ الطَّائِفَة , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة مَكِّيّ " فَقُلْت قَدْ بَايَعْت يَا رَسُول اللَّه , قَالَ : وَأَيْضًا فَبَايَعْته الثَّانِيَة وَزَادَ فَقُلْت لَهُ : يَا أَبَا مُسْلِم عَلَى أَيّ شَيْء كُنْتُمْ تُبَايِعُونَ يَوْمَئِذٍ , قَالَ : عَلَى الْمَوْت " وَقَدْ تَقَدَّمَ الْبَحْث فِي ذَلِكَ هُنَاكَ , وَقَالَ الْمُهَلَّب فِيمَا ذَكَرَهُ اِبْن بَطَّال أَرَادَ أَنْ يُؤَكِّد بَيْعَة سَلَمَة لِعِلْمِهِ بِشُجَاعَتِهِ وَعَنَائِهِ فِي الْإِسْلَام وَشُهْرَته بِالثَّبَاتِ , فَلِذَلِكَ أَمَرَهُ بِتَكْرِيرِ الْمُبَايَعَة لِيَكُونَ لَهُ فِي ذَلِكَ فَضِيلَة. قُلْت : وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون سَلَمَة لَمَّا بَادَرَ إِلَى الْمُبَايَعَة ثُمَّ قَعَدَ قَرِيبًا , وَاسْتَمَرَّ النَّاس يُبَايِعُونَ إِلَى أَنْ خَفُّوا , أَرَادَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْهُ أَنْ يُبَايِع لِتَتَوَالَى الْمُبَايَعَة مَعَهُ وَلَا يَقَع فِيهَا تَخَلُّل , لِأَنَّ الْعَادَة فِي مَبْدَأ كُلّ أَمْر أَنْ يَكْثُر مَنْ يُبَاشِرهُ فَيَتَوَالَى , فَإِذَا تَنَاهَى قَدْ يَقَع بَيْنَ مَنْ يَجِيء آخِرًا تَخَلُّل , وَلَا يَلْزَم مِنْ ذَلِكَ اِخْتِصَاص سَلَمَة بِمَا ذُكِرَ وَالْوَاقِع أَنَّ الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ اِبْن بَطَّال مِنْ حَال سَلَمَة فِي الشُّجَاعَة وَغَيْرهَا لَمْ يَكُنْ ظَهَرَ بَعْدُ , لِأَنَّهُ إِنَّمَا وَقَعَ مِنْهُ بَعْد ذَلِكَ فِي " غَزْوَة ذِي قِرْد " حَيْثُ اِسْتَعَادَ السَّرْح الَّذِي كَانَ الْمُشْرِكُونَ أَغَارُوا عَلَيْهِ فَاسْتَلَبَ ثِيَابهمْ , وَكَانَ آخِر أَمْره أَنْ أَسْهَمَ لَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَهْم الْفَارِس وَالرَّاجِل , فَالْأَوْلَى أَنْ يُقَال تَفَرَّسَ فِيهِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَلِكَ فَبَايَعَهُ مَرَّتَيْنِ , وَأَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى أَنَّهُ سَيَقُومُ فِي الْحَرْب مَقَام رَجُلَيْنِ فَكَانَ كَذَلِكَ , وَقَالَ اِبْن الْمُنِير : يُسْتَفَاد مِنْ هَذَا الْحَدِيث أَنَّ إِعَادَة لَفْظ الْعَقْد فِي النِّكَاح وَغَيْره لَيْسَ فَسْخًا لِلْعَقْدِ الْأَوَّل خِلَافًا لِمَنْ زَعَمَ ذَلِكَ مِنْ الشَّافِعِيَّة. قُلْت : الصَّحِيح عِنْدهمْ أَنَّهُ لَا يَكُونُ فَسْخًا كَمَا قَالَ الْجُمْهُورُ.