انتقل إلى المحتوى
السبيل

الشرح القديم لـصحيح البخاري ⁦757⁩

ابن حجر العسقلاني — فتح الباري

ثُمَّ ذَكَرَ الْبُخَارِيُّ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة فِي قِصَّةِ الْمُسِيءِ صَلَاته وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ بَعْدَ أَرْبَعَة وَعِشْرِينَ بَابًا , وَمَوْضِع الْحَاجَةِ مِنْهُ هُنَا قَوْلُهُ " ثُمَّ اِقْرَأْ مَا تَيَسَّرَ مَعَك مِنْ الْقُرْآنِ " وَكَأَنَّهُ أَشَارَ بِإِبْرَادِهِ عَقِبَ حَدِيث عُبَادَةَ أَنَّ الْفَاتِحَةَ إِنَّمَا تَتَحَتَّمُ عَلَى مَنْ يُحْسِنُهَا , وَأَنَّ مَنْ لَا يُحْسِنُهَا يَقْرَأُ بِمَا تَيَسَّرَ عَلَيْهِ , وَأَنَّ إِطْلَاق الْقِرَاءَة فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَة مُقَيَّد بِالْفَاتِحَةِ كَمَا فِي حَدِيثِ عُبَادَة - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ -. قَالَ الْخَطَّابِيّ : قَوْلُهُ " ثُمَّ اِقْرَأْ مَا تَيَسَّرَ مَعَك مِنْ الْقُرْآنِ " ظَاهِر الْإِطْلَاقِ اَلتَّخْيِير ; لَكِنَّ الْمُرَادَ بِهِ فَاتِحَة الْكِتَابِ لِمَنْ أَحْسَنَهَا بِدَلِيلِ حَدِيثِ عُبَادَة , وَهُوَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ( فَمَا اِسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْيِ ) ثُمَّ عَيَّنَتْ اَلسُّنَّةُ الْمُرَاد. وَقَالَ النَّوَوِيّ : قَوْلُهُ " مَا تَيَسَّرَ " مَحْمُول عَلَى الْفَاتِحَةِ فَإِنَّهَا مُتَيَسِّرَة , أَوْ عَلَى مَا زَادَ مِنْ الْفَاتِحَةِ بَعْدَ أَنْ يَقْرَأَهَا , أَوْ عَلَى مَنْ عَجَزَ عَنْ الْفَاتِحَةِ. وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ قَوْلَهُ " مَا تَيَسَّرَ " لَا إِجْمَالَ فِيهِ حَتَّى يُبَيَّنَ بِالْفَاتِحَةِ , وَالتَّقْيِيد بِالْفَاتِحَةِ يُنَافِي التَّيْسِير الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ الْإِطْلَاق فَلَا يَصِحُ حَمْله عَلَيْهِ. وَأَيْضًا فَسُورَة الْإِخْلَاصِ مُتَيَسِّرَة وَهِيَ أَقْصَرُ مِنْ الْفَاتِحَةِ فَلَمْ يَنْحَصِرْ التَّيْسِيرُ فِي الْفَاتِحَةِ , وَأَمَّا الْحَمْلُ عَلَى مَا زَادَ فَمَبْنِيّ عَلَى تَسْلِيمِ تَعَيُّنِ الْفَاتِحَة وَهِيَ مَحَلُّ النِّزَاعِ. وَأَمَّا حَمْلُهُ عَلَى مَنْ عَجَزَ فَبَعِيد , وَالْجَوَابُ الْقَوِيُّ عَنْ هَذَا أَنَّهُ وَرَدَ فِي حَدِيثِ الْمُسِيءِ صَلَاته تَفْسِيرُ مَا تَيَسَّرَ بِالْفَاتِحَةِ كَمَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ رِفَاعَة بْن رَافِع رَفَعَهُ " وَإِذَا قُمْت فَتَوَجَّهْت فَكَبِّرْ ثُمَّ اِقْرَأْ بِأُمِّ الْقُرْآنِ وَبِمَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ تَقْرَأَ , وَإِذَا رَكَعْتَ فَضَعْ رَاحَتَيْك عَلَى رُكْبَتَيْك " الْحَدِيث. وَوَقَعَ فِيهِ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ " ثُمَّ اِقْرَأْ إِنْ كَانَ مَعَك قُرْآن , فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَاحْمَدْ اللَّه وَكَبِّرْ وَهَلِّلْ " فَإِذَا جُمِعَ بَيْنَ أَلْفَاظِ الْحَدِيثِ كَانَ تَعَيُّنُ الْفَاتِحَة هُوَ الْأَصْلُ لِمَنْ مَعَهُ قُرْآن , فَإِنْ عَجَزَ عَنْ تَعَلُّمِهَا وَكَانَ مَعَهُ شَيْء مِنْ الْقُرْآنِ قَرَأَ مَا تَيَسَّرَ , وَإِلَّا اِنْتَقَلَ إِلَى الذِّكْرِ. وَيَحْتَمِلُ الْجَمْعُ أَيْضًا أَنْ يُقَالَ : الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ " فَاقْرَأْ مَا تَيَسَّرَ مَعَك مِنْ الْقُرْآنِ " أَيْ : بَعْدَ الْفَاتِحَةِ , وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ أَبِي سَعِيد عِنْدَ أَبِي دَاوُد بِسَنَدٍ قَوِيٍّ " أَمَرَنَا رَسُولُ اَللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ نَقْرَأَ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَمَا تَيَسَّرَ ".

العودة إلى الحديث

السبت، 10 أكتوبر 2026 29 ربيع الآخر 1448 هـ