انتقل إلى المحتوى
السبيل

الشرح القديم لـصحيح البخاري ⁦773⁩

ابن حجر العسقلاني — فتح الباري

ثُمَّ ذَكَرَ الْبُخَارِيُّ حَدِيثَ اِبْنِ عَبَّاسٍ فِي قِصَّةِ سَمَاعِ الْجِنِّ الْقُرْآنَ , وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي مَوْضِعِهِ مِنْ التَّفْسِيرِ , وَيَأْتِي بَيَانُ عُكَاظٍ فِي كِتَابِ الْحَجِّ فِي شَرْحِ حَدِيثِ اِبْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا " كَانَتْ عُكَاظٌ مِنْ أَسْوَاقِ الْجَاهِلِيَّةِ " الْحَدِيثَ. وَالْمَقْصُودُ مِنْهُ هُنَا قَوْلُهُ " وَهُوَ يُصَلِّي بِأَصْحَابِهِ صَلَاةَ الْفَجْرِ فَلَمَّا سَمِعُوا الْقُرْآنَ اِسْتَمَعُوا لَهُ " وَهُوَ ظَاهِرٌ فِي الْجَهْرِ , ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيثَ اِبْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا قَالَ " قَرَأَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا أُمِرَ وَسَكَتَ فِيمَا أُمِرَ , ( وَمَا كَانَ رَبُّك نَسِيًا ) , ( لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ) " وَوَجْهُ الْمُنَاسَبَةِ مِنْهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ إِطْلَاقِ " قَرَأَ " عَلَى جَهَرَ , لَكِنْ كَانَ يَبْقَى خُصُوصُ تَنَاوُلِ ذَلِكَ لِصَلَاةِ الصُّبْحِ فَيُسْتَفَادُ ذَلِكَ مِنْ الَّذِي قَبْلَهُ , فَكَأَنَّهُ يَقُولُ : هَذَا الْإِجْمَالُ هُنَا مُفَسَّرٌ بِالْبَيَانِ فِي الَّذِي قَبْلَهُ , لِأَنَّ الْمُحَدِّثَ بِهِمَا وَاحِدٌ , أَشَارَ إِلَى ذَلِكَ اِبْنُ رَشِيدٍ. وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مُرَادُ الْبُخَارِيِّ بِهَذَا خَتْمَ تَرَاجِمِ الْقِرَاءَةِ فِي الصَّلَوَاتِ إِشَارَةً مِنْهُ إِلَى أَنَّ الْمُعْتَمَدَ فِي ذَلِكَ هُوَ فِعْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يُغَيِّرَ شَيْئًا مِمَّا صَنَعَهُ. وَقَالَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ : إِيرَادُ حَدِيثِ اِبْنِ عَبَّاسٍ هُنَا يُغَايِرُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ إِثْبَاتِ الْقِرَاءَةِ فِي الصَّلَوَاتِ , لِأَنَّ مَذْهَبَ اِبْنِ عَبَّاسٍ كَانَ تَرْكَ الْقِرَاءَةِ فِي السِّرِّيَّةِ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْحَدِيثَ الَّذِي أَوْرَدَهُ الْبُخَارِيُّ لَيْسَ فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى التَّرْكِ , وَأَمَّا اِبْنُ عَبَّاسٍ فَكَانَ يَشُكُّ فِي ذَلِكَ تَارَةً وَيَنْفِي الْقِرَاءَةَ أُخْرَى وَرُبَّمَا أَثْبَتَهَا , أَمَّا نَفْيُهُ فَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ عَنْ عَمِّهِ " أَنَّهُمْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا لَهُ : هَلْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْرَأُ فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ ؟ قَالَ : لَا. قِيلَ : لَعَلَّهُ كَانَ يَقْرَأُ فِي نَفْسِهِ ؟ قَالَ : هَذِهِ شَرٌّ مِنْ الْأُولَى , كَانَ عَبْدًا مَأْمُورًا بَلَّغَ مَا أُمِرَ بِهِ " وَأَمَّا شَكُّهُ فَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ أَيْضًا وَالطَّبَرِيُّ مِنْ رِوَايَةِ حُصَيْنٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ اِبْنِ عَبَّاسٍ قَالَ " مَا أَدْرِي أَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْرَأُ فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ أَمْ لَا " اِنْتَهَى. وَقَدْ أَثْبَتَ قِرَاءَتَهُ فِيهِمَا خَبَّابٌ وَأَبُو قَتَادَةَ وَغَيْرُهُمَا كَمَا تَقَدَّمَ , فَرِوَايَتُهُمْ مُقَدَّمَةٌ عَلَى مَنْ نَفَى , فَضْلًا عَلَى مَنْ شَكَّ. وَلَعَلَّ الْبُخَارِيَّ أَرَادَ بِإِيرَادِ هَذَا إِقَامَةَ الْحُجَّةِ عَلَيْهِ , لِأَنَّهُ اِحْتَجَّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ( لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ) فَيُقَالُ لَهُ قَدْ ثَبَتَ أَنَّهُ قَرَأَ فَيَلْزَمُك أَنْ تَقْرَأَ , وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَدْ جَاءَ عَنْ اِبْنِ عَبَّاسٍ إِثْبَاتُ ذَلِكَ أَيْضًا رَوَاهُ أَيُّوبُ عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ الْبَرَاءِ قَالَ ( سَأَلْت اِبْنَ عَبَّاسٍ : أَقَرَأَ فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ ؟ قَالَ هُوَ أَمَامَك اِقْرَأْ مِنْهُ مَا قَلَّ أَوْ كَثُرَ ". أَخْرَجَهُ اِبْنُ الْمُنْذِرِ وَالطَّحَاوِيُّ وَغَيْرُهُمَا.

العودة إلى الحديث

الأحد، 11 أكتوبر 2026 30 ربيع الآخر 1448 هـ