انتقل إلى المحتوى
السبيل

الشرح القديم لـصحيح البخاري ⁦844⁩

ابن حجر العسقلاني — فتح الباري

قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا سُفْيَان ) هُوَ الثَّوْرِيّ , وَرِجَال الْإِسْنَاد كُلّهمْ كُوفِيُّونَ إِلَّا مُحَمَّد بْن يُوسُف وَهُوَ الْفِرْيَابِيّ.

قَوْلُهُ : ( عَنْ وَرَّاد ) فِي رِوَايَة مُعْتَمِر بْن سُلَيْمَان عَنْ سُفْيَان عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ " حَدَّثَنِي وَرَّاد ".

قَوْلُهُ : ( أَمْلَى عَلَيَّ الْمُغِيرَة ) أَيْ اِبْن شُعْبَة ( فِي كِتَاب إِلَى مُعَاوِيَة ) كَانَ الْمُغِيرَة إِذْ ذَاكَ أَمِيرًا عَلَى الْكُوفَة مِنْ قِبَل مُعَاوِيَة وَسَيَأْتِي فِي الدَّعَوَات مِنْ وَجْه آخَر عَنْ وَرَّاد بَيَان السَّبَب فِي ذَلِكَ , وَهُوَ أَنَّ مُعَاوِيَة كَتَبَ إِلَيْهِ : اُكْتُبْ لِي بِحَدِيثٍ سَمِعْته مِنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَفِي الْقَدَر مِنْ رِوَايَة عَبْدَة بْن أَبِي لُبَابَة عَنْ وَرَّاد قَالَ " كَتَبَ مُعَاوِيَة إِلَى الْمُغِيرَة : اُكْتُبْ إِلَيَّ مَا سَمِعْت النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول خَلْف الصَّلَاة ". قَدْ قَيَّدَهَا فِي رِوَايَة الْبَاب بِالْمَكْتُوبَةِ فَكَأَنَّ الْمُغِيرَة فَهِمَ ذَلِكَ مِنْ قَرِينَة فِي السُّؤَال وَاسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى الْعَمَل بِالْمُكَاتَبَةِ وَإِجْرَائِهَا مَجْرَى السَّمَاع فِي الرِّوَايَة وَلَوْ لَمْ تَقْتَرِن بِالْإِجَازَةِ. وَعَلَى الِاعْتِمَاد عَلَى خَبَر الشَّخْص الْوَاحِد. وَسَيَأْتِي فِي الْقَدَر فِي آخِره أَنَّ وَرَّادًا قَالَ " ثُمَّ وَفَدْت بَعْد عَلَى مُعَاوِيَة فَسَمِعْته يَأْمُر النَّاس بِذَلِكَ " وَزَعَمَ بَعْضهمْ أَنَّ مُعَاوِيَة كَانَ قَدْ سَمِعَ الْحَدِيث الْمَذْكُور , وَإِنَّمَا أَرَادَ اِسْتِثْبَات الْمُغِيرَة وَاحْتَجَّ بِمَا فِي الْمُوَطَّأ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ مُعَاوِيَة أَنَّهُ كَانَ يَقُول عَلَى الْمِنْبَر " أَيّهَا النَّاس , إِنَّهُ لَا مَانِع لِمَا أَعْطَى اللَّه , وَلَا مُعْطِي لِمَا مَنَعَ اللَّه , وَلَا يَنْفَع ذَا الْجَدّ مِنْهُ الْجَدّ. مِنْ يُرِدْ اللَّه بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّين. ثُمَّ يَقُول : سَمِعْته مِنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى هَذِهِ الْأَعْوَاد ".

قَوْلُهُ : ( لَهُ الْمُلْك وَلَهُ الْحَمْد ) زَادَ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيق أُخْرَى عَنْ الْمُغِيرَة " يُحْيِي وَيُمِيت وَهُوَ حَيّ لَا يَمُوت , بِيَدِهِ الْخَيْر - إِلَى - قَدِير " وَرُوَاته مُوَثَّقُونَ. وَثَبَتَ مِثْله عِنْد الْبَزَّار مِنْ حَدِيث عَبْد الرَّحْمَن بْنِ عَوْف بِسَنَدٍ ضَعِيف , لَكِنْ فِي الْقَوْل إِذَا أَصْبَحَ وَإِذَا أَمْسَى.

قَوْلُهُ : ( وَلَا يَنْفَع ذَا الْجَدّ مِنْك الْجَدّ ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ : الْجَدّ الْغِنَى وَيُقَال الْحَظّ , قَالَ : وَ " مِنْ " فِي قَوْلُهُ " مِنْك " بِمَعْنَى الْبَدَل , قَالَ الشَّاعِر : فَلَيْتَ لَنَا مِنْ مَاء زَمْزَم شَرْبَة مُبَرَّدَة بَاتَتْ عَلَى الطَّهَيَان يُرِيد لَيْتَ لَنَا بَدَل مَاء زَمْزَم ا ه. وَفِي الصِّحَاح : مَعْنَى " مِنْك " هُنَا عِنْدك , أَيْ لَا يَنْفَع ذَا الْغِنَى عِنْدك غِنَاهُ , إِنَّمَا يَنْفَعهُ الْعَمَل الصَّالِح. وَقَالَ اِبْن التِّين : الصَّحِيح عِنْدِي أَنَّهَا لَيْسَتْ بِمَعْنَى الْبَدَل وَلَا عِنْد , بَلْ هُوَ كَمَا تَقُول : وَلَا يَنْفَعك مِنِّي شَيْء إِنْ أَنَا أَرَدْتُك بِسُوءٍ. وَلَمْ يَظْهَر مِنْ كَلَامه مَعْنًى , وَمُقْتَضَاهُ أَنَّهَا بِمَعْنَى عِنْد أَوْ فِيهِ حَذْف تَقْدِيره مِنْ قَضَائِي أَوْ سَطْوَتِي أَوْ عَذَابِي. وَاخْتَارَ الشَّيْخ جَمَال الدِّين فِي الْمُغْنِي الْأَوَّلَ , قَالَ اِبْن دَقِيق الْعِيد : قَوْلُهُ مِنْك يَجِب أَنْ يَتَعَلَّق بِيَنْفَعُ , وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُون يَنْفَع قَدْ ضُمِّنَ مَعْنَى يَمْنَع وَمَا قَارَبَهُ , وَلَا يَجُوز أَنْ يَتَعَلَّق مِنْك بِالْجَدِّ كَمَا يُقَال حَظِّي مِنْك كَثِير لِأَنَّ ذَلِكَ نَافِع ا ه. وَالْجَدّ مَضْبُوط فِي جَمِيع الرِّوَايَات بِفَتْحِ الْجِيم وَمَعْنَاهُ الْغِنَى كَمَا نَقَلَهُ الْمُصَنِّف عَنْ الْحَسَن , أَوْ الْحَظّ. وَحَكَى الرَّاغِب أَنَّ الْمُرَاد بِهِ هُنَا أَبُو الْأَب , أَيْ لَا يَنْفَع أَحَدًا نَسَبه. قَالَ الْقُرْطُبِيّ : حُكِيَ عَنْ أَبِي عَمْرو الشَّيْبَانِيِّ أَنَّهُ رَوَاهُ بِالْكَسْرِ وَقَالَ : مَعْنَاهُ لَا يَنْفَع ذَا الِاجْتِهَاد اِجْتِهَاده. وَأَنْكَرَهُ الطَّبَرِيُّ. وَقَالَ الْقَزَّاز فِي تَوْجِيه إِنْكَاره : الِاجْتِهَاد فِي الْعَمَل نَافِع لِأَنَّ اللَّه قَدْ دَعَا الْخَلْق إِلَى ذَلِكَ , فَكَيْف لَا يَنْفَع عِنْده ؟ قَالَ : فَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْمُرَاد أَنَّهُ لَا يَنْفَع الِاجْتِهَاد فِي طَلَب الدُّنْيَا وَتَضْيِيع أَمْر الْآخِرَة. وَقَالَ غَيْره : لَعَلَّ الْمُرَاد أَنَّهُ لَا يَنْفَع بِمُجَرَّدِهِ مَا لَمْ يُقَارِنهُ الْقَبُول , وَذَلِكَ لَا يَكُون إِلَّا بِفَضْلِ اللَّه وَرَحْمَته , كَمَا تَقَدَّمَ فِي شَرْح قَوْلُهُ " لَا يُدْخِل أَحَدًا مِنْكُمْ الْجَنَّةَ عَمَلُهُ " وَقِيلَ الْمُرَاد عَلَى رِوَايَة الْكَسْر السَّعْي التَّامّ فِي الْحِرْص أَوْ الْإِسْرَاع فِي الْهَرَب. قَالَ النَّوَوِيّ : الصَّحِيح الْمَشْهُور الَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُور أَنَّهُ بِالْفَتْحِ وَهُوَ الْحَظّ فِي الدُّنْيَا بِالْمَالِ أَوْ الْوَلَد أَوْ الْعَظَمَة أَوْ السُّلْطَان , وَالْمَعْنَى لَا يُنَجِّيه حَظّه مِنْك , وَإِنَّمَا يُنَجِّيه فَضْلك وَرَحْمَتك. وَفِي الْحَدِيث اِسْتِحْبَاب هَذَا الذِّكْر عَقِب الصَّلَوَات لِمَا اِشْتَمَلَ عَلَيْهِ مِنْ أَلْفَاظ التَّوْحِيد وَنِسْبَة الْأَفْعَال إِلَى اللَّه وَالْمَنْع وَالْإِعْطَاء وَتَمَام الْقُدْرَة , وَفِيهِ الْمُبَادَرَة إِلَى اِمْتِثَال السُّنَن وَإِشَاعَتهَا. ( فَائِدَة ) : اُشْتُهِرَ عَلَى الْأَلْسِنَة فِي الذِّكْر الْمَذْكُور زِيَادَة " وَلَا رَادّ لِمَا قَضَيْت " وَهِيَ فِي مُسْنَد عَبْد بْنِ حُمَيْدٍ مِنْ رِوَايَة مَعْمَر عَنْ عَبْد الْمَلِك بْن عُمَيْر بِهَذَا الْإِسْنَاد , لَكِنْ حَذَفَ قَوْلُهُ " وَلَا مُعْطِي لِمَا مَنَعْت " وَوَقَعَ عِنْد الطَّبَرَانِيِّ تَامًّا مِنْ وَجْه آخَر كَمَا سَنَذْكُرُهُ فِي كِتَاب الْقَدَر إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. وَوَقَعَ عِنْد أَحْمَد وَالنَّسَائِيِّ وَابْن خُزَيْمَةَ مِنْ طَرِيق هُشَيْمٍ عَنْ عَبْد الْمَلِك بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور أَنَّهُ كَانَ يَقُول الذِّكْر الْمَذْكُور أَوَّلًا ثَلَاث مَرَّات.

قَوْلُهُ : ( وَقَالَ شُعْبَة عَنْ عَبْد الْمَلِك بْن عُمَيْر بِهَذَا ) وَصَلَهُ السَّرَّاج فِي مُسْنَده , وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الدُّعَاء , وَابْن حِبَّان مِنْ طَرِيق مُعَاذ بْن مُعَاذ عَنْ شُعْبَة وَلَفْظه عَنْ عَبْد الْمَلِك بْن عُمَيْر " سَمِعْت وَرَّادًا كَاتِب الْمُغِيرَة بْن شُعْبَة أَنَّ الْمُغِيرَة كَتَبَ إِلَى مُعَاوِيَة " فَذَكَرَهُ. وَفِي قَوْلُهُ " كَتَبَ " تَجَوُّز لِمَا تَبَيَّنَ مِنْ رِوَايَة سُفْيَان وَغَيْره أَنَّ الْكَاتِب هُوَ وَرَّاد , لَكِنَّهُ كَتَبَ بِأَمْرِ الْمُغِيرَة وَإِمْلَائِهِ عَلَيْهِ. وَعِنْد مُسْلِم مِنْ رِوَايَة عَبْدَة عَنْ وَرَّاد قَالَ " كَتَبَ الْمُغِيرَة إِلَى مُعَاوِيَة , كَتَبَ ذَلِكَ الْكِتَاب لَهُ وَرَّاد " فَجَمَعَ بَيْن الْحَقِيقَة وَالْمَجَاز.

قَوْلُهُ : ( وَقَالَ الْحَسَن جَدّ غِنَى ) الْأَوْلَى فِي قِرَاءَة هَذَا الْحَرْف أَنْ يُقْرَأ بِالرَّفْعِ بِغَيْرِ تَنْوِين عَلَى الْحِكَايَة , وَيَظْهَر ذَلِكَ مِنْ لَفْظ الْحَسَن , فَقَدْ وَصَلَهُ اِبْن أَبِي حَاتِم مِنْ طَرِيق أَبِي رَجَاء وَعَبْد بْن حُمَيْدٍ مِنْ طَرِيق سُلَيْمَان التَّيْمِيِّ كِلَاهُمَا عَنْ الْحَسَن فِي قَوْلُهُ تَعَالَى ( وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا ) قَالَ : غِنَى رَبّنَا. وَعَادَة الْبُخَارِيّ إِذَا وَقَعَ فِي الْحَدِيث لَفْظَة غَرِيبَة وَقَعَ مِثْلهَا فِي الْقُرْآن يَحْكِي قَوْل أَهْل التَّفْسِير فِيهَا وَهَذَا مِنْهَا. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة كَرِيمَة " قَالَ الْحَسَنُ : الْجَدّ غِنَى " وَسَقَطَ هَذَا الْأَثَر مِنْ أَكْثَر الرِّوَايَات.

قَوْلُهُ : ( وَعَنْ الْحَكَم ) هَكَذَا وَقَعَ فِي رِوَايَة أَبِي ذَرّ التَّعْلِيق عَنْ الْحَكَم مُؤَخَّرًا عَنْ أَثَر الْحَسَن , وَفِي رِوَايَة كَرِيمَة بِالْعَكْسِ وَهُوَ الْأَصْوَب , لِأَنَّ قَوْلُهُ وَعَنْ الْحَكَم مَعْطُوف عَلَى قَوْلُهُ عَنْ عَبْد الْمَلِك , فَهُوَ مِنْ رِوَايَة شُعْبَة عَنْ الْحَكَم أَيْضًا , وَكَذَلِكَ أَخْرَجَهُ السَّرَّاج وَالطَّبَرَانِيُّ وَابْن حِبَّان بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور إِلَى شُعْبَة وَلَفْظه كَلَفْظِ عَبْد الْمَلِك إِلَّا أَنَّهُ قَالَ فِيهِ " كَانَ إِذَا قَضَى صَلَاته وَسَلَّمَ قَالَ " فَذَكَرَهُ , وَوَقَعَ نَحْو هَذَا التَّصْرِيح لِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيق الْمُسَيِّب بْن رَافِع عَنْ وَرَّاد بِهِ.

العودة إلى الحديث

الأحد، 11 أكتوبر 2026 30 ربيع الآخر 1448 هـ