انتقل إلى المحتوى
السبيل

الشرح القديم لـصحيح البخاري ⁦868⁩

ابن حجر العسقلاني — فتح الباري

حَدِيث أَبِي قَتَادَةَ رَفَعَهُ " إِنِّي لَأَقُوم فِي الصَّلَاة " الْحَدِيث وَفِيهِ " فَأَتَجَوَّز فِي صَلَاتِي كَرَاهِيَة أَنْ أَشُقّ عَلَى أُمّه " وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه فِي أَبْوَاب الْإِمَامَة , قَالَ اِبْن دَقِيق الْعِيد : هَذَا الْحَدِيث عَامّ فِي النِّسَاء , إِلَّا أَنَّ الْفُقَهَاء خَصُّوهُ بِشُرُوطٍ : مِنْهَا أَنْ لَا تَتَطَيَّب , وَهُوَ فِي بَعْض الرِّوَايَات " وَلْيَخْرُجْنَ تَفِلَات " قُلْتُ : هُوَ بِفَتْحِ الْمُثَنَّاة وَكَسْر الْفَاء أَيْ غَيْر مُتَطَيِّبَات , وَيُقَال اِمْرَأَة تَفِلَة إِذَا كَانَتْ مُتَغَيِّرَة الرِّيح , وَهُوَ عِنْد أَبِي دَاوُدَ وَابْن خُزَيْمَةَ مِنْ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة وَعِنْد اِبْن حِبَّان مِنْ حَدِيث زَيْد بْن خَالِد وَأَوَّله " لَا تَمْنَعُوا إِمَاء اللَّه مَسَاجِدَ اللَّه " وَلِمُسْلِمٍ مِنْ حَدِيث زَيْنَب اِمْرَأَة اِبْن مَسْعُود " إِذَا شَهِدَتْ إِحْدَاكُنَّ الْمَسْجِد فَلَا تَمَسَّنَّ طِيبًا " اِنْتَهَى. قَالَ : وَيَلْحَق بِالطِّيبِ مَا فِي مَعْنَاهُ لِأَنَّ سَبَب الْمَنْع مِنْهُ مَا فِيهِ مِنْ تَحْرِيك دَاعِيَة الشَّهْوَة كَحُسْنِ الْمَلْبَس وَالْحُلِيّ الَّذِي يَظْهَر وَالزِّينَة الْفَاخِرَة وَكَذَا الِاخْتِلَاط بِالرِّجَالِ , وَفَرَّقَ كَثِير مِنْ الْفُقَهَاء الْمَالِكِيَّة وَغَيْرهمْ بَيْن الشَّابَّة وَغَيْرهَا وَفِيهِ نَظَر , إِلَّا إِنْ أُخِذَ الْخَوْف عَلَيْهَا مِنْ جِهَتهَا لِأَنَّهَا إِذَا عَرِيَتْ مِمَّا ذُكِرَ وَكَانَتْ مُسْتَتِرَة حَصَلَ الْأَمْن عَلَيْهَا وَلَا سِيَّمَا إِذَا كَانَ ذَلِكَ بِاللَّيْلِ. وَقَدْ وَرَدَ فِي بَعْض طُرُق هَذَا الْحَدِيث وَغَيْره مَا يَدُلّ عَلَى أَنَّ صَلَاة الْمَرْأَة فِي بَيْتهَا أَفْضَل مِنْ صَلَاتهَا فِي الْمَسْجِد , وَذَلِكَ فِي رِوَايَة حَبِيب بْن أَبِي ثَابِت عَنْ اِبْن عُمَر بِلَفْظِ " لَا تَمْنَعُوا نِسَاءَكُمْ الْمَسَاجِد , وَبُيُوتهنَّ خَيْر لَهُنَّ " أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَصَحَّحَهُ اِبْن خُزَيْمَةَ. وَلِأَحْمَد وَالطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيث أُمّ حُمَيْدٍ السَّاعِدِيَّة " أَنَّهَا جَاءَتْ إِلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ يَا رَسُول اللَّه , إِنِّي أُحِبّ الصَّلَاة مَعَك. قَالَ : قَدْ عَلِمْت , وَصَلَاتك فِي بَيْتك خَيْر لَك مِنْ صَلَاتك فِي حُجْرَتك , وَصَلَاتك فِي حُجْرَتك خَيْر مِنْ صَلَاتك فِي دَارك , وَصَلَاتك فِي دَارك خَيْر مِنْ صَلَاتك فِي مَسْجِد قَوْمك , وَصَلَاتك فِي مَسْجِد قَوْمك خَيْر مِنْ صَلَاتك فِي مَسْجِد الْجَمَاعَة " وَإِسْنَاد أَحْمَد حَسَنٌ , وَلَهُ شَاهِد مِنْ حَدِيث اِبْن مَسْعُود عِنْد أَبِي دَاوُدَ. وَوَجْه كَوْن صَلَاتهَا فِي الْإِخْفَاء أَفْضَل تَحَقُّق الْأَمْن فِيهِ مِنْ الْفِتْنَة , وَيَتَأَكَّد ذَلِكَ بَعْد وُجُود مَا أَحْدَثَ النِّسَاء مِنْ التَّبَرُّج وَالزِّينَة , وَمِنْ ثَمَّ قَالَتْ عَائِشَة مَا قَالَتْ , وَتَمَسَّكَ بَعْضهمْ بِقَوْلِ عَائِشَة فِي مَنْع النِّسَاء مُطْلَقًا وَفِيهِ نَظَر , إِذْ لَا يَتَرَتَّب عَلَى ذَلِكَ تَغَيُّر الْحُكْم لِأَنَّهَا عَلَّقَتْهُ عَلَى شَرْط لَمْ يُوجَد بِنَاء عَلَى ظَنٍّ ظَنَّتْهُ فَقَالَتْ " لَوْ رَأَى لَمَنَعَ " فَيُقَال عَلَيْهِ : لَمْ يَرَ وَلَمْ يَمْنَع , فَاسْتَمَرَّ الْحُكْم حَتَّى أَنَّ عَائِشَة لَمْ تُصَرِّح بِالْمَنْعِ وَإِنْ كَانَ كَلَامهَا يُشْعِر بِأَنَّهَا كَانَتْ تَرَى الْمَنْع. وَأَيْضًا فَقَدْ عَلِمَ اللَّه سُبْحَانه مَا سَيُحْدِثْنَ فَمَا أَوْحَى إِلَى نَبِيّه بِمَنْعِهِنَّ , وَلَوْ كَانَ مَا أَحْدَثْنَ يَسْتَلْزِم مَنْعهنَّ مِنْ الْمَسَاجِد لَكَانَ مَنْعهنَّ مِنْ غَيْرهَا كَالْأَسْوَاقِ أَوْلَى. وَأَيْضًا فَالْإِحْدَاث إِنَّمَا وَقَعَ مِنْ بَعْض النِّسَاء لَا مِنْ جَمِيعهنَّ , فَإِنْ تَعَيَّنَ الْمَنْع فَلْيَكُنْ لِمَنْ أَحْدَثَتْ , وَالْأَوْلَى أَنْ يُنْظَر إِلَى مَا يُخْشَى مِنْهُ الْفَسَاد فَيُجْتَنَب لِإِشَارَتِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى ذَلِكَ بِمَنْعِ التَّطَيُّب وَالزِّينَة , وَكَذَلِكَ التَّقَيُّد بِاللَّيْلِ كَمَا سَبَقَ.

العودة إلى الحديث

الأحد، 11 أكتوبر 2026 30 ربيع الآخر 1448 هـ