انتقل إلى المحتوى
السبيل

الشرح القديم لـصحيح البخاري ⁦928⁩

ابن حجر العسقلاني — فتح الباري

قَوْلُهُ : ( يَخْطُب خُطْبَتَيْنِ يَقْعُد بَيْنهمَا ) مُقْتَضَاهُ أَنَّهُ كَانَ يَخْطُبهُمَا قَائِمًا , وَصَرَّحَ بِهِ فِي رِوَايَة خَالِد بْن الْحَارِث الْمُتَقَدِّمَة قَبْلُ بِبَابَيْنِ وَلَفْظه " كَانَ يَخْطُب قَائِمًا ثُمَّ يَقْعُد ثُمَّ يَقُوم " وَلِلنَّسَائِيِّ وَالدَّارَقُطْنِيّ مِنْ هَذَا الْوَجْه " كَانَ يَخْطُب خُطْبَتَيْنِ قَائِمًا يَفْصِل بَيْنهمَا بِجُلُوسٍ " وَغَفَلَ صَاحِب الْعُمْدَة فَعَزَا هَذَا اللَّفْظ لِلصَّحِيحَيْنِ , وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ بِلَفْظِ " كَانَ يَخْطُب خُطْبَتَيْنِ : كَانَ يَجْلِس إِذَا صَعِدَ الْمِنْبَر حَتَّى يَفْرُغ الْمُؤَذِّن , ثُمَّ يَقُوم فَيَخْطُب , ثُمَّ يَجْلِس فَلَا يَتَكَلَّم , ثُمَّ يَقُوم فَيَخْطُب " وَاسْتُفِيدَ مِنْ هَذَا أَنَّ حَال الْجُلُوس بَيْن الْخُطْبَتَيْنِ لَا كَلَام فِيهِ , لَكِنْ لَيْسَ فِيهِ نَفْي أَنْ يَذْكُر اللَّه أَوْ يَدْعُوهُ سِرًّا. وَاسْتَدَلَّ بِهِ الشَّافِعِيّ فِي إِيجَاب الْجُلُوس بَيْن الْخُطْبَتَيْنِ لِمُوَاظَبَتِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى ذَلِكَ مَعَ قَوْلُهُ " صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي ". قَالَ اِبْن دَقِيق الْعِيد : يَتَوَقَّف ذَلِكَ عَلَى ثُبُوت أَنَّ إِقَامَة الْخُطْبَتَيْنِ دَاخِل تَحْت كَيْفِيَّة الصَّلَاة , وَإِلَّا فَهُوَ اِسْتِدْلَال بِمُجَرَّدِ الْفِعْل. وَزَعَمَ الطَّحَاوِيُّ أَنَّ الشَّافِعِيّ تَفَرَّدَ بِذَلِكَ , وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ مَحْكِيّ عَنْ مَالِك أَيْضًا فِي رِوَايَة , وَهُوَ الْمَشْهُور عَنْ أَحْمَد نَقَلَهُ شَيْخنَا فِي شَرْح التِّرْمِذِيّ , وَحَكَى اِبْن الْمُنْذِرِ أَنَّ بَعْض الْعُلَمَاء عَارَضَ الشَّافِعِيّ بِأَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاظَبَ عَلَى الْجُلُوس قَبْل الْخُطْبَة الْأُولَى , فَإِنْ كَانَتْ مُوَاظَبَته دَلِيلًا عَلَى شَرْطِيَّة الْجِلْسَة الْوُسْطَى فَلْتَكُنْ دَلِيلًا عَلَى شَرْطِيَّة الْجِلْسَة الْأُولَى , وَهَذَا مُتَعَقَّب بِأَنَّ جُلّ الرِّوَايَات عَنْ اِبْنِ عُمَر لَيْسَتْ فِيهَا هَذِهِ الْجِلْسَة الْأُولَى وَهِيَ مِنْ رِوَايَة عَبْد اللَّه الْعُمَرِيّ الْمُضَعَّف فَلَمْ تَثْبُت الْمُوَاظَبَة عَلَيْهَا , بِخِلَافِ الَّتِي بَيْن الْخُطْبَتَيْنِ. وَقَالَ صَاحِب " الْمُغْنِي " : لَمْ يُوجِبهَا أَكْثَر أَهْل الْعِلْم لِأَنَّهَا جِلْسَة لَيْسَ فِيهَا ذِكْر مَشْرُوع فَلَمْ تَجِب , وَقَدَّرَهَا مَنْ قَالَ بِوُجُوبِهَا بِقَدْرِ جِلْسَة الِاسْتِرَاحَة وَبِقَدْرِ مَا يَقْرَأ سُورَة الْإِخْلَاص. وَاخْتُلِفَ فِي حِكْمَتهَا فَقِيلَ : لِلْفَصْلِ بَيْن الْخُطْبَتَيْنِ , وَقِيلَ لِلرَّاحَةِ وَعَلَى الْأَوَّل - وَهُوَ الْأَظْهَر - يَكْفِي السُّكُوت بِقَدْرِهَا , وَيَظْهَر أَثَر الْخِلَاف أَيْضًا فِيمَنْ خَطَبَ قَاعِدًا لِعَجْزِهِ عَنْ الْقِيَام. وَقَدْ أَلْزَمَ الطَّحَاوِيُّ مَنْ قَالَ بِوُجُوبِ الْجُلُوس بَيْن الْخُطْبَتَيْنِ أَنْ يُوجِب الْقِيَام فِي الْخُطْبَتَيْنِ , لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا اِقْتَصَرَ عَلَى فِعْل شَيْء وَاحِد. وَتَعَقَّبَهُ الزَّيْن ابْن الْمُنِير. وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيق.

العودة إلى الحديث

الأحد، 11 أكتوبر 2026 30 ربيع الآخر 1448 هـ