قَوْله : ( مَا أَلْفَاهُ ) بِالْفَاءِ أَيْ وَجَدَهُ , وَالسَّحَر مَرْفُوع بِأَنَّهُ فَاعِله. وَالْمُرَاد نَوْمه بَعْد الْقِيَام الَّذِي مَبْدَؤُهُ عِنْد سَمَاع الصَّارِخ جَمْعًا بَيْنه وَبَيْن رِوَايَة مَسْرُوق الَّتِي قَبْلهَا.
قَوْله : ( تَعْنِي النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) فِي رِوَايَة مُحَمَّد بْن بِشْر عَنْ سَعْد بْن إِبْرَاهِيم عِنْد مُسْلِم " مَا أَلْفَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ السَّحَر عَلَى فِرَاشِي - أَوْ عِنْدِي - إِلَّا نَائِمًا " وَأَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ عَنْ مَحْمُود الْوَاسِطِيّ عَنْ زَكَرِيَّا بْن يَحْيَى عَنْ إِبْرَاهِيم بْن سَعْد بِلَفْظِ " مَا أَلْفَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدِي بِالْأَسْحَارِ إِلَّا وَهُوَ نَائِم " وَفِي هَذَا التَّصْرِيح بِرَفْعِ الْحَدِيث. ( تَنْبِيه ) : قَالَ اِبْن التِّين : قَوْلهَا " إِلَّا نَائِمًا " تَعْنِي مُضْطَجِعًا عَلَى جَنْبه لِأَنَّهَا قَالَتْ فِي حَدِيث آخَر " فَإِنْ كُنْت يَقْظَانَة حَدَّثَنِي وَإِلَّا اِضْطَجَعَ " اِنْتَهَى. وَتَعَقَّبَهُ اِبْن رَشِيد بِأَنَّهُ لَا ضَرُورَة لِحَمْلِ هَذَا التَّأْوِيل لِأَنَّ السِّيَاق ظَاهِر فِي النَّوْم حَقِيقَة وَظَاهِر فِي الْمُدَاوَمَة عَلَى ذَلِكَ , وَلَا يَلْزَم مِنْ أَنَّهُ كَانَ رُبَّمَا لَمْ يَنَمْ وَقْت السَّحَر هَذَا التَّأْوِيل , فَدَارَ الْأَمْر بَيْن حَمْل النَّوْم عَلَى مَجَاز التَّشْبِيه أَوْ حَمْل التَّعْمِيم عَلَى إِرَادَة التَّخْصِيص , وَالثَّانِي أَرْجَح وَإِلَيْهِ مَيْل الْبُخَارِيّ لِأَنَّهُ تَرْجَمَ بِقَوْلِهِ " مَنْ نَامَ عِنْد السَّحَر " ثُمَّ تَرْجَمَ عَقِبه بِقَوْلِهِ " مَنْ تَسَحَّرَ فَلَمْ يَنَمْ " فَأَوْمَأَ إِلَى تَخْصِيص رَمَضَان مِنْ غَيْره , فَكَأَنَّ الْعَادَة جَرَتْ فِي جَمِيع السَّنَة أَنَّهُ كَانَ يَنَام عِنْد السَّحَر , إِلَّا فِي رَمَضَان فَإِنَّهُ كَانَ يَتَشَاغَل بِالسُّحُورِ فِي آخِر اللَّيْل , ثُمَّ يَخْرُج إِلَى صَلَاة الصُّبْح عَقِبه. وَقَالَ اِبْن بَطَّال : النَّوْم وَقْت السَّحَر كَانَ يَفْعَلهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي اللَّيَالِي الطِّوَال وَفِي غَيْر شَهْر رَمَضَان , كَذَا قَالَ , وَيُحْتَاج فِي إِخْرَاج اللَّيَالِي الْقِصَار إِلَى دَلِيل.