قَوْله : ( اللَّه أَعْلَم ) قَالَ اِبْن قُتَيْبَة : مَعْنَى قَوْله " بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ " أَيْ لَوْ أَبْقَاهُمْ , فَلَا تَحْكُمُوا عَلَيْهِمْ بِشَيْءٍ. وَقَالَ غَيْره : أَيْ عَلِمَ أَنَّهُمْ لَا يَعْمَلُونَ شَيْئًا وَلَا يَرْجِعُونَ فَيَعْمَلُونَ أَوْ أَخْبَرَ بِعِلْمِ شَيْء لَوْ وُجِدَ كَيْفَ يَكُون , مِثْل
قَوْله : ( وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا ) وَلَكِنْ لَمْ يَرِد أَنَّهُمْ يُجَازَوْنَ بِذَلِكَ فِي الْآخِرَة لِأَنَّ الْعَبْد لَا يُجَازَى بِمَا لَمْ يَعْمَل. ( تَنْبِيه ) وَأَمَّا حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة فَهُوَ طَرَف مِنْ ثَانِي أَحَادِيث الْبَاب كَمَا سَيَأْتِي فِي الْقَدَر مِنْ طَرِيق هَمَّام عَنْ أَبِي هُرَيْرَة , فَفِي آخِره " قَالُوا : يَا رَسُول اللَّه , أَفَرَأَيْت مَنْ يَمُوت وَهُوَ صَغِير ؟ قَالَ : اللَّه أَعْلَم بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ " وَكَذَا أَخْرَجَهُ مُسْلِم مِنْ طَرِيق أَبِي صَالِح عَنْ أَبِي هُرَيْرَة بِلَفْظِ " فَقَالَ رَجُل : يَا رَسُول اللَّه أَرَأَيْت لَوْ مَاتَ قَبْل ذَلِكَ " وَلِأَبِي دَاوُدَ مِنْ طَرِيق مَالِك عَنْ أَبِي الزِّنَاد عَنْ الْأَعْرَج عَنْ أَبِي هُرَيْرَة نَحْو رِوَايَة هَمَّام , وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ عَقِبَهُ عَنْ اِبْن وَهْب سَمِعْت مَالِكًا وَقِيلَ لَهُ إِنَّ أَهْل الْأَهْوَاء يَحْتَجُّونَ عَلَيْنَا بِهَذَا الْحَدِيث يَعْنِي قَوْله " فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ " فَقَالَ مَالِك : اِحْتَجَّ عَلَيْهِمْ بِآخِرِهِ " اللَّه أَعْلَم بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ ". وَوَجْه ذَلِكَ أَنَّ أَهْل الْقَدَر اِسْتَدَلُّوا عَلَى أَنَّ اللَّه فَطَرَ الْعِبَاد عَلَى الْإِسْلَام وَأَنَّهُ لَا يُضِلّ أَحَدًا وَإِنَّمَا يُضِلّ الْكَافِرَ أَبَوَاهُ , فَأَشَارَ مَالِك إِلَى الرَّدّ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ " اللَّه أَعْلَم " فَهُوَ دَالّ عَلَى أَنَّهُ يَعْلَم بِمَا يَصِيرُونَ إِلَيْهِ بَعْد إِيجَادهمْ عَلَى الْفِطْرَة , فَهُوَ دَلِيل عَلَى تَقَدَّمَ الْعِلْم الَّذِي يُنْكِرهُ غُلَاتهمْ , وَمِنْ ثَمَّ قَالَ الشَّافِعِيّ : أَهْل الْقَدَر إِنْ أَثْبَتُوا الْعِلْم خُصِمُوا.