قَوْله : ( وَعُمْرَة الْجِعْرَانَة إِذْ قَسَمَ غَنِيمَة أُرَاهُ حُنَيْنٍ ) كَذَا وَقَعَ هُنَا بِنَصْبِ غَنِيمَة بِغَيْرِ تَنْوِين , وَكَأَنَّ الرَّاوِي طَرَأَ عَلَيْهِ شَكٌّ فَأَدْخَلَ بَيْن الْمُضَاف وَالْمُضَاف إِلَيْهِ لَفْظ " أُرَاهُ " وَهُوَ بِضَمِّ الْهَمْزَة أَيْ أَظُنّهُ. وَقَدْ رَوَاهُ مُسْلِم عَنْ هُدْبَة عَنْ هَمَّام بِغَيْرِ شَكٍّ فَقَالَ " حَيْثُ قَسَمَ غَنَائِم حُنَيْنٍ " وَسَقَطَ مِنْ رِوَايَة حَسَّان هَذِهِ الْعُمْرَة الرَّابِعَة , وَلِهَذَا اِسْتَظْهَرَ الْمُصَنِّف بِطَرِيقِ أَبِي الْوَلِيد الَّتِي ذَكَرهَا فِي آخِر الْحَدِيث وَهُوَ قَوْله " وَعُمْرَة مَعَ حَجَّته " وَكَذَا أَخْرَجَهُ مُسْلِم مِنْ طَرِيق عَبْد الصَّمَد عَنْ هِشَام , فَتَبَيَّنَ بِهَذَا أَنَّ التَّقْصِير فِيهِ مِنْ حَسَّان شَيْخ الْبُخَارِيّ. وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ : الْعُمْرَة الرَّابِعَة فِي هَذَا الْحَدِيث دَاخِلَة فِي ضِمْن الْحَجّ لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِمَّا أَنْ يَكُون قَارِنًا أَوْ مُتَمَتِّعًا فَالْعُمْرَة حَاصِلَة أَوْ مُفْرِدًا , لَكِنْ أَفْضَل أَنْوَاع الْإِفْرَاد لَا بُدّ فِيهِ مِنْ الْعُمْرَة فِي تِلْكَ السَّنَة , وَرَسُول اللَّه لَا يَتْرُك الْأَفْضَل اِنْتَهَى. وَلَيْسَ مَا اِدَّعَى أَنَّهُ الْأَفْضَل مُتَّفَقًا عَلَيْهِ بَيْن الْعُلَمَاء , فَكَيْف يَنْسِب فِعْل ذَلِكَ إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفِعْل النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُوَ الَّذِي يُحْتَجّ بِهِ إِذَا نُسِبَ لِأَحَدٍ فِعْله عَلَى مَا يَخْتَار بَعْض الْمُجْتَهِدِينَ رُجْحَانَهُ. قَوْله فِي رِوَايَة أَبِي الْوَلِيد " اِعْتَمَرَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَيْثُ رَدُّوهُ , وَمِنْ الْقَابِل عُمْرَة الْحُدَيْبِيَة " قَالَ اِبْن التِّين هَذَا أُرَاهُ وَهْمًا لِأَنَّ الَّتِي رَدُّوهُ فِيهَا هِيَ عُمْرَة الْحُدَيْبِيَة وَأَمَّا الَّتِي مِنْ قَابِلٍ فَلَمْ يَرُدُّوهُ مِنْهَا. قُلْت : لَا وَهْمَ فِي ذَلِكَ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا كَانَ مِنْ الْحُدَيْبِيَة , وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون قَوْله " عُمْرَة الْحُدَيْبِيَة " يَتَعَلَّق بِقَوْلِهِ حَيْثُ رَدُّوهُ.