انتقل إلى المحتوى
السبيل

الشرح القديم لـصحيح البخاري ⁦1952⁩

ابن حجر العسقلاني — فتح الباري

قَوْله : ( حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن خَالِد ) أَيْ اِبْن خَلِيٍّ بِمُعْجَمَةٍ وَزْن عَلِيٍّ كَمَا جَزَمَ بِهِ أَبُو نُعَيْم فِي " الْمُسْتَخْرَج " , وَجَزَمَ الْجَوْزَقِيّ بِأَنَّهُ الذُّهْلِيُّ فَإِنَّهُ أَخْرَجَهُ عَنْ أَبِي حَامِد بْن الشَّرْقِيِّ عَنْهُ وَقَالَ : أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيّ عَنْ مُحَمَّد أَيْنَ يَحْيَى وَبِذَلِكَ جَزَمَ الْكَلَابَاذِيّ , وَصَنِيع الْمِزِّيِّ يُوَافِقُهُ وَهُوَ الرَّاجِح , وَعَلَى هَذَا فَقَدْ نَسَبَهُ الْبُخَارِيّ هُنَا إِلَى جَدّ أَبِيهِ لِأَنَّهُ مُحَمَّد بْن يَحْيَى بْن عَبْد اللَّه بْن خَالِد وَشَيْخه مُحَمَّد بْن مُوسَى بْن أَعْيَنَ أَدْرَكَهُ الْبُخَارِيّ لَكِنَّهُ لَمْ يَرْوِ عَنْهُ إِلَّا بِوَاسِطَةٍ وَكَأَنَّهُ لَمْ يَلْقَهُ , وَعَمْرو بْن الْحَارِث هُوَ الْمِصْرِيُّ.

قَوْله : ( مَنْ مَاتَ ) عَامٌّ فِي الْمُكَلَّفِينَ لِقَرِينَةِ " وَعَلَيْهِ صِيَام " وَقَوْله " صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ " خَبَرٌ بِمَعْنَى الْأَمْر تَقْدِيره فَلْيَصُمْ عَنْهُ وَلِيّه , وَلَيْسَ هَذَا الْأَمْر لِلْوُجُوبِ عِنْد الْجُمْهُور , وَبَالَغَ إِمَام الْحَرَمَيْنِ وَمَنْ تَبِعَهُ فَادَّعَوْا الْإِجْمَاع عَلَى ذَلِكَ , وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ بَعْض أَهْل الظَّاهِر أَوْجَبَهُ فَلَعَلَّهُ لَمْ يَعْتَدَّ بِخِلَافِهِمْ عَلَى قَاعِدَته. وَقَدْ اِخْتَلَفَ السَّلَف فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَة : فَأَجَازَ الصِّيَام عَنْ الْمَيِّت أَصْحَابُ الْحَدِيث , وَعَلَّقَ الشَّافِعِيّ فِي الْقَدِيم الْقَوْل بِهِ عَلَى صِحَّة الْحَدِيث كَمَا نَقَلَهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي " الْمَعْرِفَة " وَهُوَ قَوْل أَبِي ثَوْر وَجَمَاعَة مِنْ مُحَدِّثِي الشَّافِعِيَّة , وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ فِي " الْخِلَافِيَّات " : هَذِهِ الْمَسْأَلَة ثَابِتَة لَا أَعْلَم خِلَافًا بَيْن أَهْل الْحَدِيث فِي صِحَّتهَا فَوَجَبَ الْعَمَل بِهَا , ثُمَّ سَاقَ بِسَنَدِهِ إِلَى الشَّافِعِيّ قَالَ : كُلّ مَا قُلْت وَصَحَّ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خِلَافه فَخُذُوا بِالْحَدِيثِ وَلَا تُقَلِّدُونِي. وَقَالَ الشَّافِعِيّ فِي الْجَدِيد وَمَالِك وَأَبُو حَنِيفَة لَا يُصَام عَنْ الْمَيِّت. وَقَالَ اللَّيْث وَأَحْمَد وَإِسْحَاق وَأَبُو عُبَيْد : لَا يُصَام عَنْهُ إِلَّا النَّذْرُ حَمْلًا لِلْعُمُومِ الَّذِي فِي حَدِيث عَائِشَة عَلَى الْمُقَيَّد فِي حَدِيث اِبْن عَبَّاس , وَلَيْسَ بَيْنَهُمَا تَعَارُض حَتَّى يُجْمَعَ بَيْنهمَا , فَحَدِيث اِبْن عَبَّاس صُورَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ سَأَلَ عَنْهَا مَنْ وَقَعَتْ لَهُ , وَأَمَّا حَدِيث عَائِشَة فَهُوَ تَقْرِيرُ قَاعِدَةٍ عَامَّةٍ , وَقَدْ وَقَعَتْ الْإِشَارَة فِي حَدِيث اِبْن عَبَّاس إِلَى نَحْو هَذَا الْعُمُوم حَيْثُ قِيلَ فِي آخِرِهِ " فَدَيْن اللَّه أَحَقّ أَنْ يُقْضَى ". وَأَمَّا رَمَضَان فَيُطْعِم عَنْهُ , فَأَمَّا الْمَالِكِيَّة فَأَجَابُوا عَنْ حَدِيث الْبَاب بِدَعْوَى عَمَلِ أَهْل الْمَدِينَة كَعَادَتِهِمْ , وَادَّعَى الْقُرْطُبِيُّ تَبَعًا لِعِيَاضٍ أَنَّ الْحَدِيثَ مُضْطَرِبٌ , وَهَذَا لَا يَتَأَتَّى إِلَّا فِي حَدِيث اِبْن عَبَّاس ثَانِي حَدِيثَيْ الْبَاب , وَلَيْسَ الِاضْطِرَاب فِيهِ مُسَلَّمًا كَمَا سَيَأْتِي , وَأَمَّا حَدِيث عَائِشَة فَلَا اِضْطِرَاب فِيهِ. وَاحْتَجَّ الْقُرْطُبِيُّ بِزِيَادَةِ اِبْن لَهِيعَةَ الْمَذْكُورَة لِأَنَّهَا تَدُلّ عَلَى عَدَم الْوُجُوب , وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ مُعْظَم الْمُجِيزِينَ لَمْ يُوجِبُوهُ كَمَا تَقَدَّمَ وَإِنَّمَا قَالُوا يَتَخَيَّر الْوَلِيّ بَيْن الصِّيَام وَالْإِطْعَام , وَأَجَابَ الْمَاوَرْدِيُّ عَنْ الْجَدِيد بِأَنَّ الْمُرَاد بِقَوْلِهِ " صَامَ عَنْهُ وَلِيّه أَيْ فَعَلَ عَنْهُ وَلِيُّهُ مَا يَقُوم مَقَام الصَّوْم وَهُوَ الْإِطْعَام , قَالَ وَهُوَ نَظِيرُ قَوْله " التُّرَاب وَضُوءُ الْمُسْلِم إِذَا لَمْ يَجِدْ الْمَاء " قَالَ فَسَمَّى الْبَدَلَ بِاسْمِ الْمُبْدَل فَكَذَلِكَ هُنَا , وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ صَرْفٌ لِلَّفْظِ عَنْ ظَاهِره بِغَيْرِ دَلِيل. وَأَمَّا الْحَنَفِيَّة فَاعْتَلُّوا لِعَدَمِ الْقَوْل بِهَذَيْنِ الْحَدِيثِينَ بِمَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَة أَنَّهَا " سُئِلَتْ عَنْ اِمْرَأَةٍ مَاتَتْ وَعَلَيْهَا صَوْم , قَالَتْ : يُطْعَمُ عَنْهَا ". وَعَنْ عَائِشَة قَالَتْ " لَا تَصُومُوا عَنْ مَوْتَاكُمْ وَأَطْعِمُوا عَنْهُمْ " أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ , وَبِمَا رُوِيَ عَنْ اِبْن عَبَّاس " قَالَ فِي رَجُل مَاتَ وَعَلَيْهِ رَمَضَان قَالَ يُطْعَمُ عَنْهُ ثَلَاثُونَ مِسْكِينًا " أَخْرَجَهُ عَبْد الرَّزَّاق , وَرَوَى النَّسَائِيُّ عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ " لَا يَصُوم أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ " قَالُوا فَلَمَّا أَفْتَى اِبْن عَبَّاس وَعَائِشَة بِخِلَافِ مَا رَوَيَاهُ دَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْعَمَل عَلَى خِلَاف مَا رَوَيَاهُ , وَهَذِهِ قَاعِدَة لَهُمْ مَعْرُوفَة , إِلَّا أَنَّ الْآثَار الْمَذْكُورَة عَنْ عَائِشَة وَعَنْ اِبْن عَبَّاس فِيهَا مَقَال , وَلَيْسَ فِيهَا مَا يَمْنَع الصِّيَام إِلَّا الْأَثَر الَّذِي عَنْ عَائِشَة وَهُوَ ضَعِيف جِدًّا , وَالرَّاجِح أَنَّ الْمُعْتَبَر مَا رَوَاهُ لَا مَا رَآهُ لِاحْتِمَالِ أَنْ يُخَالِفَ ذَلِكَ لِاجْتِهَادٍ وَمُسْتَنَدُهُ فِيهِ لَمْ يَتَحَقَّق وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ ضَعْف الْحَدِيث عِنْده , وَإِذَا تَحَقَّقَتْ صِحَّة الْحَدِيث لَمْ يُتْرَكْ الْمُحَقَّقُ لِلْمَظْنُونِ , وَالْمَسْأَلَة مَشْهُورَة فِي الْأُصُول. وَاخْتَلَفَ الْمُجِيزُونَ فِي الْمُرَاد بِقَوْلِهِ " وَلِيُّهُ " فَقِيلَ كُلّ قَرِيب , وَقِيلَ الْوَارِث خَاصَّة , وَقِيلَ عَصَبَتُهُ , وَالْأَوَّل أَرْجَح , وَالثَّانِي قَرِيب , وَيَرُدُّ الثَّالِثَ قِصَّة الْمَرْأَة الَّتِي سَأَلَتْ عَنْ نَذْرِ أُمِّهَا. وَاخْتَلَفُوا أَيْضًا هَلْ يَخْتَصّ ذَلِكَ بِالْوَلِيِّ ؟ لِأَنَّ الْأَصْل عَدَم النِّيَابَة فِي الْعِبَادَة الْبَدَنِيَّة , وَلِأَنَّهَا عِبَادَة لَا تَدْخُلُهَا النِّيَابَة فِي الْحَيَاة فَكَذَلِكَ فِي الْمَوْت إِلَّا مَا وَرَدَ فِيهِ الدَّلِيل فَيُقْتَصَرُ عَلَى مَا وَرَدَ فِيهِ وَيَبْقَى الْبَاقِي عَلَى الْأَصْل وَهَذَا هُوَ الرَّاجِح , وَقِيلَ يَخْتَصّ بِالْوَلِيِّ فَلَوْ أَمَرَ أَجْنَبِيًّا بِأَنْ يَصُوم عَنْهُ أَجْزَأَ كَمَا فِي الْحَجِّ , وَقِيلَ يَصِحُّ اِسْتِقْلَال الْأَجْنَبِيّ بِذَلِكَ وَذَكَرَ الْوَلِيّ لِكَوْنِهِ الْغَالِبَ , وَظَاهِر صَنِيعِ الْبُخَارِيِّ اِخْتِيَارُ هَذَا الْأَخِير , وَبِهِ جَزَمَ أَبُو الطَّيِّبِ الطَّبَرِيُّ وَقَوَّاهُ بِتَشْبِيهِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَلِكَ بِالدَّيْنِ وَالدَّيْنُ لَا يَخْتَصّ بِالْقَرِيبِ.

قَوْله : ( تَابَعَهُ اِبْن وَهْبٍ عَنْ عَمْرو ) يَعْنِي اِبْن الْحَارِث الْمَذْكُور بِسَنَدِهِ , وَهَذِهِ الْمُتَابَعَة وَصَلَهَا مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ وَغَيْرهمَا بِلَفْظِهِ.

قَوْله : ( وَرَوَاهُ يَحْيَى بْن أَيُّوبَ ) يَعْنِي الْمِصْرِيَّ عَنْ عُبَيْد اللَّه بْن أَبِي جَعْفَر بِسَنَدِهِ الْمَذْكُور , وَرِوَايَته هَذِهِ عِنْد أَبِي عَوَانَة وَالدَّارَقُطْنِيّ مِنْ طَرِيق عَمْرو بْن الرَّبِيع وَابْن خُزَيْمَةَ مِنْ طَرِيق سَعِيد بْن أَبِي مَرْيَم كِلَاهُمَا عَنْ يَحْيَى بْن أَيُّوبَ وَأَلْفَاظهمْ مُتَوَافِقَةٌ , وَرَوَاهُ الْبَزَّار مِنْ طَرِيق اِبْن لَهِيعَةَ عَنْ عُبَيْد اللَّه بْن أَبِي جَعْفَر فَزَادَ فِي آخِر الْمَتْن " إِنْ شَاءَ ".

العودة إلى الحديث

الأحد، 11 أكتوبر 2026 30 ربيع الآخر 1448 هـ