انتقل إلى المحتوى
السبيل

الشرح القديم لـصحيح البخاري ⁦1954⁩

ابن حجر العسقلاني — فتح الباري

قَوْله : ( حَدَّثَنَا سُفْيَان ) هُوَ اِبْن عُيَيْنَةَ , وَالْإِسْنَاد كُلّه حِجَازِيُّونَ : الْحُمَيْدِيُّ وَسُفْيَان مَكِّيَّانِ , وَالْبَاقُونَ مَدَنِيُّونَ. وَفِيهِ رِوَايَة الْأَبْنَاء عَنْ الْآبَاء , وَرِوَايَة تَابِعِيٍّ صَغِيرٍ عَنْ تَابِعِيٍّ كَبِيرٍ هِشَام عَنْ أَبِيهِ , وَصَحَابِيٍّ صَغِيرٍ عَنْ صَحَابِيٍّ كَبِيرٍ عَاصِمٍ عَنْ أَبِيهِ , وَكَانَ مَوْلِد عَاصِم فِي عَهْد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَكِنْ لَمْ يَسْمَع مِنْهُ شَيْئًا.

قَوْله : ( قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) فِي رِوَايَة اِبْن خُزَيْمَةَ مِنْ طَرِيق أَبِي مُعَاوِيَة عَنْ هِشَامٍ " قَالَ لِي ".

قَوْله : ( إِذَا أَقْبَلَ اللَّيْل مِنْ هَاهُنَا ) أَيْ مِنْ جِهَة الْمَشْرِقِ كَمَا فِي الْحَدِيث الَّذِي يَلِيهِ , وَالْمُرَادُ بِهِ وُجُودُ الظُّلْمَةِ حِسًّا , وَذَكَرَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ثَلَاثَةَ أُمُور , لِأَنَّهَا وَإِنْ كَانَتْ مُتَلَازِمَةً فِي الْأَصْل لَكِنَّهَا قَدْ تَكُون فِي الظَّاهِر غَيْرَ مُتَلَازِمَة , فَقَدْ يُظَنُّ إِقْبَالُ اللَّيْل مِنْ جِهَة الْمَشْرِق وَلَا يَكُون إِقْبَاله حَقِيقَةً بَلْ لِوُجُودِ أَمْرٍ يُغَطِّي ضَوْءَ الشَّمْس وَكَذَلِكَ إِدْبَار النَّهَار فَمِنْ ثَمَّ قَيَّدَ بِقَوْلِهِ " وَغَرَبَتْ الشَّمْس " إِشَارَةً إِلَى اِشْتِرَاط تَحَقُّق الْإِقْبَال وَالْإِدْبَار , وَأَنَّهُمَا بِوَاسِطَةِ غُرُوب الشَّمْس لَا بِسَبَبٍ آخَرَ , وَلَمْ يَذْكُر ذَلِكَ فِي الْحَدِيث الثَّانِي فَيَحْتَمِلُ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَى حَالَيْنِ : أَمَّا حَيْثُ ذَكَرَهَا فَفِي حَال الْغَيْم مَثَلًا وَأَمَّا حَيْثُ لَمْ يَذْكُرْهَا فَفِي حَال الصَّحْو , وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَا فِي حَالَة وَاحِدَة وَحَفِظَ أَحَد الرَّاوِيَيْنِ مَا لَمْ يَحْفَظْ الْآخَرُ , وَإِنَّمَا ذُكِرَ الْإِقْبَال وَالْإِدْبَار مَعًا لِإِمْكَانِ وُجُود أَحَدهمَا مَعَ عَدَم تَحَقُّقِ الْغُرُوب قَالَهُ الْقَاضِي عِيَاض. وَقَالَ شَيْخنَا فِي " شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ " : الظَّاهِر الِاكْتِفَاء بِأَحَدِ الثَّلَاثَة لِأَنَّهُ يُعْرَفُ اِنْقِضَاء النَّهَار بِأَحَدِهِمَا , وَيُؤَيِّدهُ الِاقْتِصَار فِي رِوَايَة اِبْن أَبِي أَوْفَى عَلَى إِقْبَال اللَّيْل

قَوْله : ( فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِم ) أَيْ دَخَلَ فِي وَقْت الْفِطْر كَمَا يُقَالُ أَنْجَدَ إِذَا أَقَامَ بِنَجْدٍ وَأَتْهَمَ إِذَا أَقَامَ بِتِهَامَةَ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُون مَعْنَاهُ فَقَدْ صَارَ مُفْطِرًا فِي الْحُكْم لِكَوْنِ اللَّيْلِ لَيْسَ طَرَفًا لِلصِّيَامِ الشَّرْعِيّ , وَقَدْ رَدَّ اِبْن خُزَيْمَةَ هَذَا الِاحْتِمَالَ وَأَوْمَأَ إِلَى تَرْجِيح الْأَوَّل فَقَالَ : قَوْله " فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِم " لَفْظُ خَبَرٍ وَمَعْنَاهُ الْأَمْر أَيْ فَلْيُفْطِرْ الصَّائِم , وَلَوْ كَانَ الْمُرَاد فَقَدْ صَارَ مُفْطِرًا كَانَ فِطْرُ جَمِيعِ الصُّوَّامِ وَاحِدًا وَلَمْ يَكُنْ لِلتَّرْغِيبِ فِي تَعْجِيل الْإِفْطَار مَعْنًى ا ه. وَقَدْ يُجَاب بِأَنَّ الْمُرَاد فِعْل الْإِفْطَار حِسًّا لِيُوَافِق الْأَمْرَ الشَّرْعِيَّ , وَلَا شَكَّ أَنَّ الْأَوَّل أَرْجَحُ , وَلَوْ كَانَ الثَّانِي مُعْتَمِدًا لَكَانَ مَنْ حَلَفَ أَنْ لَا يُفْطِرَ فَصَامَ فَدَخَلَ اللَّيْل حَنِثَ بِمُجَرَّدِ دُخُوله وَلَوْ لَمْ يَتَنَاوَل شَيْئًا , وَيُمْكِن الِانْفِصَال عَنْ ذَلِكَ بِأَنَّ الْأَيْمَانَ مَبْنِيَّةٌ عَلَى الْعُرْف , وَبِذَلِكَ أَفْتَى الشَّيْخ أَبُو إِسْحَاق الشِّيرَازِيُّ فِي مِثْل هَذِهِ الْوَاقِعَة بِعَيْنِهَا , وَمِثْل هَذَا لَوْ قَالَ إِنْ أَفْطَرْت فَأَنْتِ طَالِق فَصَادَفَ يَوْم الْعِيد لَمْ تَطْلُقْ حَتَّى يَتَنَاوَل مَا يُفْطِر بِهِ , وَقَدْ اِرْتَكَبَ بَعْضهمْ الشَّطَط فَقَالَ يَحْنَث , وَيُرَجِّح الْأَوَّلَ أَيْضًا رِوَايَة شُعْبَة أَيْضًا بِلَفْظِ " فَقَدْ حَلَّ الْإِفْطَار " وَكَذَا أَخْرَجَهُ أَبُو عَوَانَة مِنْ طَرِيق الثَّوْرِيِّ عَنْ الشَّيْبَانِيِّ , وَسَيَأْتِي لِذَلِكَ مَزِيدُ بَيَان فِي " بَاب الْوِصَال " بَعْد ثَلَاثَة أَبْوَاب.

العودة إلى الحديث

الاثنين، 12 أكتوبر 2026 1 جمادى الأولى 1448 هـ