قَوْله : ( فَإِنَّك لَا تَسْتَطِيع ذَلِكَ ) يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ الْحَالَة الرَّاهِنَة لِمَا عَلِمَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَنَّهُ يَتَكَلَّفُ ذَلِكَ وَيُدْخِلُ بِهِ عَلَى نَفْسه الْمَشَقَّةَ وَيُفَوِّتُ بِهِ مَا هُوَ أَهَمُّ مِنْ ذَلِكَ , وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ مَا سَيَأْتِي بَعْدُ إِذَا كَبِرَ وَعَجَزَ كَمَا اِتَّفَقَ لَهُ سَوَاء , وَكَرِهَ أَنْ يُوَظِّف عَلَى نَفْسه شَيْئًا مِنْ الْعِبَادَة ثُمَّ يَعْجِزَ عَنْهُ فَيَتْرُكَهُ لِمَا تَقَرَّرَ مِنْ ذَمِّ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ.
قَوْله : ( وَصُمْ مِنْ الشَّهْر ثَلَاثَة أَيَّام ) بَعْد قَوْله " فَصُمْ وَأَفْطِرْ " بَيَانٌ لِمَا أُجْمِلَ مِنْ ذَلِكَ وَتَقْرِيرٌ لَهُ عَلَى ظَاهِره , إِذْ الْإِطْلَاقُ يَقْتَضِي الْمُسَاوَاةَ.
قَوْله : ( مِثْل صِيَام الدَّهْر ) يَقْتَضِي أَنَّ الْمِثْلِيَّةَ لَا تَسْتَلْزِمُ التَّسَاوِي مِنْ كُلّ جِهَة لِأَنَّ الْمُرَاد بِهِ هُنَا أَصْلُ التَّضْعِيفِ دُونَ التَّضْعِيفِ الْحَاصِلِ مِنْ الْفِعْل , وَلَكِنْ يَصْدُقُ عَلَى فَاعِل ذَلِكَ أَنَّهُ صَامَ الدَّهْر مَجَازًا. قَوْله بَعْد ذِكْرِ صِيَامِ دَاوُدَ ( لَا أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ ) لَيْسَ فِيهِ نَفْيُ الْمُسَاوَاةِ صَرِيحًا , لَكِنَّ قَوْلَهُ فِي الرِّوَايَة الْمَاضِيَة فِي قِيَامِ اللَّيْل مِنْ طَرِيق عَمْرِو بْن أَوْسٍ عَنْ عَبْد اللَّه بْن عَمْرو " أَحَبُّ الصِّيَامِ إِلَى اللَّهِ صِيَامُ دَاوُدَ " يَقْتَضِي ثُبُوتَ الْأَفْضَلِيَّة مُطْلَقًا , وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي الْعَبَّاس عَنْ عَبْد اللَّه بْن عَمْرو بِلَفْظِ " أَفْضَلُ الصِّيَامِ صِيَامُ دَاوُدَ " , وَكَذَلِكَ رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيق أَبِي عِيَاضٍ عَنْ عَبْد اللَّه , وَمُقْتَضَاهُ أَنْ تَكُونَ الزِّيَادَةُ عَلَى ذَلِكَ مِنْ الصَّوْم مُفَضَّلَةً , وَسَأَذْكُرُ بَسْطَ ذَلِكَ فِي الْبَاب الَّذِي بَعْدَهُ إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى.