انتقل إلى المحتوى
السبيل

الشرح القديم لـصحيح البخاري ⁦2982⁩

ابن حجر العسقلاني — فتح الباري

حَدِيث سَلَمَة وَهُوَ اِبْن الْأَكْوَع " خَفَّتْ أَزْوَاد النَّاس وَأَمْلَقُوا , فَأَتَوْا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي نَحْر إِبِلهمْ " الْحَدِيث. وَهُوَ ظَاهِر فِيمَا تَرْجَمَ بِهِ. وَقَوْله : ( أَمْلَقُوا ) أَيْ فَنِيَ زَادُهُمْ , وَمَعْنَى أَمْلَقَ اِفْتَقَرَ , وَقَدْ يَأْتِي مُتَعَدِّيًا بِمَعْنَى أَفْنَى.

قَوْله : ( فَأَتَوْا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي نَحْر إِبِلهمْ ) أَيْ بِسَبَبِ نَحْر إِبِلهمْ , أَوْ فِيهِ حَذْف تَقْدِيره فَاسْتَأْذَنُوهُ فِي نَحْر إِبِلهمْ.

قَوْله : ( نَادِ فِي النَّاس يَأْتُونَ ) أَيْ فَهُمْ يَأْتُونَ , وَلِذَلِكَ رَفَعَهُ , وَزَادَ فِي الشَّرِكَة " فَبُسِطَ لِذَلِكَ نِطَع " وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ فِيهِ أَرْبَع لُغَات فَتْح النُّون وَكَسْرهَا وَفَتْح الطَّاء وَسُكُونهَا.

قَوْله : ( وَبَرّك ) بِالتَّشْدِيدِ أَيْ دَعَا بِالْبَرَكَةِ وَقَوْله ( عَلَيْهِمْ ) فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ " عَلَيْهِ " أَيْ عَلَى الطَّعَام , وَمِثْلُهُ فِي الشَّرِكَة.

قَوْله : ( فَاحْتَثَى النَّاس ) بِمُهْمَلَة سَاكِنَة ثُمَّ مُثَنَّاة ثُمَّ مُثَلَّثَة أَيْ أَخَذُوا حَثْيَة حَثْيَة. وَقَوْله : ( قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَشْهَد ) إِلَى آخِر الشَّهَادَتَيْنِ أَشَارَ إِلَى أَنَّ ظُهُور الْمُعْجِزَة مِمَّا يُؤَيِّد الرِّسَالَة. وَفِي الْحَدِيث حُسْن خُلُق رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَإِجَابَته إِلَى مَا يَلْتَمِس مِنْهُ أَصْحَابه , وَإِجْرَاؤُهُمْ عَلَى الْعَادَة الْبَشَرِيَّة فِي الِاحْتِيَاج إِلَى الزَّاد فِي السَّفَر , وَمَنْقَبَة ظَاهِرَة لِعُمَر دَالَّة عَلَى قُوَّة يَقِينه بِإِجَابَةِ دُعَاء رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَلَى حُسْن نَظَره لِلْمُسْلِمِينَ. عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ فِي إِجَابَة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهُمْ عَلَى نَحْر إِبِلهمْ مَا يَتَحَتَّم أَنَّهُمْ يَبْقَوْنَ بِلَا ظَهْر , لِاحْتِمَالِ أَنْ يَبْعَث اللَّه لَهُمْ مَا يَحْمِلهُمْ مِنْ غَنِيمَة وَنَحْوهَا , لَكِنْ أَجَابَ عُمَر إِلَى مَا أَشَارَ بِهِ لِتَعْجِيلِ الْمُعْجِزَة بِالْبَرَكَةِ الَّتِي حَصَلَتْ فِي الطَّعَام. وَقَدْ وَقَعَ لِعُمَر شَبِيه بِهَذِهِ الْقِصَّة فِي الْمَاء , وَذَلِكَ فِيمَا أَخْرَجَهُ اِبْن خُزَيْمَةَ وَغَيْره , وَسَتَأْتِي الْإِشَارَة إِلَيْهِ فِي عَلَامَات النُّبُوَّة , وَقَوْل عُمَر " مَا بَقَاؤُكُمْ بَعْد إِبِلكُمْ " أَيْ لِأَنَّ تَوَالِي الْمَشْي رُبَّمَا أَفْضَى إِلَى الْهَلَاك , وَكَأَنَّ عُمَر أَخَذَ ذَلِكَ مِنْ النَّهْي عَنْ الْحُمُر الْأَهْلِيَّة يَوْم خَيْبَر اِسْتِبْقَاء لِظُهُورِهَا , قَالَ اِبْن بَطَّال : اِسْتَنْبَطَ مِنْهُ بَعْض الْفُقَهَاء أَنَّهُ يَجُوز لِلْإِمَامِ فِي الْغَلَاء إِلْزَام مَنْ عِنْده مَا يَفْضُل عَنْ قُوته أَنْ يُخْرِجهُ لِلْبَيْعِ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ صَلَاح النَّاس , وَفِي حَدِيث سَلَمَة جَوَاز الْمَشُورَة عَلَى الْإِمَام بِالْمَصْلَحَةِ وَإِنْ لَمْ يَتَقَدَّم مِنْهُ الِاسْتِشَارَة.

العودة إلى الحديث

الأحد، 11 أكتوبر 2026 30 ربيع الآخر 1448 هـ