انتقل إلى المحتوى
السبيل

الشرح القديم لـصحيح البخاري ⁦3010⁩

ابن حجر العسقلاني — فتح الباري

حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة " عَجِبَ اللَّه مِنْ قَوْم يَدْخُلُونَ الْجَنَّة فِي السَّلَاسِل " وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيق حَمَّاد بْن سَلَمَة عَنْ مُحَمَّد بْن زِيَاد بِلَفْظِ " يُقَادُونَ إِلَى الْجَنَّة بِالسَّلَاسِلِ " وَقَدْ تَقَدَّمَ تَوْجِيه الْعَجَب فِي حَقّ اللَّه فِي أَوَائِل الْجِهَاد وَأَنَّ مَعْنَاهُ الرِّضَا وَنَحْو ذَلِكَ , قَالَ اِبْن الْمُنِير : إِنْ كَانَ الْمُرَاد حَقِيقَة وَضْع السَّلَاسِل فِي الْأَعْنَاق فَالتَّرْجَمَة مُطَابِقَة , وَإِنْ كَانَ الْمُرَاد الْمَجَاز عَنْ الْإِكْرَاه فَلَيْسَتْ مُطَابِقَة. قُلْت : الْمُرَاد بِكَوْنِ السَّلَاسِل فِي أَعْنَاقهمْ مُقَيَّد بِحَالَةِ الدُّنْيَا , فَلَا مَانِع مِنْ حَمْله عَلَى حَقِيقَته , وَالتَّقْدِير يَدْخُلُونَ الْجَنَّة , وَكَانُوا قَبْل أَنْ يُسْلِمُوا فِي السَّلَاسِل , وَسَيَأْتِي فِي تَفْسِير آل عِمْرَان مِنْ وَجْه آخَر عَنْ أَبِي هُرَيْرَة فِي قَوْله تَعَالَى ( كُنْتُمْ خَيْر أُمَّة أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ ) قَالَ " خَيْر النَّاس لِلنَّاسِ يَأْتُونَ بِهِمْ فِي السَّلَاسِل فِي أَعْنَاقهمْ حَتَّى يَدْخُلُوا فِي الْإِسْلَام " , قَالَ اِبْن الْجَوْزِيّ : مَعْنَاهُ أَنَّهُمْ أُسِرُوا وَقُيِّدُوا , فَلَمَّا عَرَفُوا صِحَّة الْإِسْلَام دَخَلُوا طَوْعًا فَدَخَلُوا الْجَنَّة , فَكَانَ الْإِكْرَاه عَلَى الْأَسْر وَالتَّقْيِيد هُوَ السَّبَب الْأَوَّل , وَكَأَنَّهُ أَطْلَقَ عَلَى الْإِكْرَاه التَّسَلْسُل , وَلَمَّا كَانَ هُوَ السَّبَب فِي دُخُول الْجَنَّة أَقَامَ الْمُسَبَّب مَقَام السَّبَب. وَقَالَ الطِّيبِيُّ : وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون الْمُرَاد بِالسَّلْسَلَةِ الْجَذْب الَّذِي يَجْذِبهُ الْحَقّ مَنْ خَلْصِ عِبَاده مِنْ الضَّلَالَة إِلَى الْهُدَى وَمِنْ الْهُبُوط فِي مَهَاوِي الطَّبِيعَة إِلَى الْعُرُوج لِلدَّرَجَاتِ , لَكِنَّ الْحَدِيث فِي تَفْسِير آل عِمْرَان يَدُلّ عَلَى أَنَّهُ عَلَى الْحَقِيقَة. وَنَحْوه مَا أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيق أَبِي الطُّفَيْل رَفَعَهُ " رَأَيْت نَاسًا مِنْ أُمَّتِي يُسَاقُونَ إِلَى الْجَنَّة فِي السَّلَاسِل كَرْهًا. قُلْت : يَا رَسُول اللَّه مَنْ هُمْ ؟ قَالَ قَوْم مِنْ الْعَجَم يَسْبِيهِمْ الْمُهَاجِرُونَ فَيُدْخِلُونَهُمْ فِي الْإِسْلَام مُكْرَهِينَ " وَأَمَّا إِبْرَاهِيم الْحَرْبِيّ فَمَنَعَ حَمْله عَلَى حَقِيقَة التَّقْيِيد وَقَالَ : الْمَعْنَى يُقَادُونَ إِلَى الْإِسْلَام مُكْرَهِينَ فَيَكُون ذَلِكَ سَبَب دُخُولهمْ الْجَنَّة , وَلَيْسَ الْمُرَاد أَنَّ ثَمَّ سِلْسِلَة. وَقَالَ غَيْره : يُحْتَمَل أَنْ يَكُون الْمُرَاد الْمُسْلِمِينَ الْمَأْسُورِينَ عِنْد أَهْل الْكُفْر يَمُوتُونَ عَلَى ذَلِكَ أَوْ يُقْتَلُونَ فَيُحْشَرُونَ كَذَلِكَ , وَعَبَّرَ عَنْ الْحَشْر بِدُخُولِ الْجَنَّة لِثُبُوتِ دُخُولهمْ عَقِبه. وَاللَّه أَعْلَم.

العودة إلى الحديث

الاثنين، 12 أكتوبر 2026 1 جمادى الأولى 1448 هـ