انتقل إلى المحتوى
السبيل

الشرح القديم لـصحيح البخاري ⁦3024⁩

ابن حجر العسقلاني — فتح الباري

قَوْله : ( لَا تَمَنَّوْا لِقَاء الْعَدُوّ وَسَلُوا اللَّه الْعَافِيَة فَإِذَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاصْبِرُوا ) قَالَ اِبْن بَطَّال : حِكْمَة النَّهْي أَنَّ الْمَرْء لَا يَعْلَم مَا يَئُول إِلَيْهِ الْأَمْر , وَهُوَ نَظِير سُؤَال الْعَافِيَة مِنْ الْفِتَن , وَقَدْ قَالَ الصِّدِّيق " لَأَنْ أُعَافَى فَأَشْكُر أَحَبّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أُبْتَلَى فَأَصْبِر " وَقَالَ غَيْره : إِنَّمَا نَهَى عَنْ تَمَّنِي لِقَاء الْعَدُوّ لِمَا فِيهِ مِنْ صُورَة الْإِعْجَاب وَالْإِتْكَال عَلَى النُّفُوس وَالْوُثُوق بِالْقُوَّةِ وَقِلَّة الِاهْتِمَام بِالْعَدُوِّ , وَكُلّ ذَلِكَ يُبَايِن الِاحْتِيَاط وَالْأَخْذ بِالْحَزْمِ. وَقِيلَ يُحْمَل النَّهْي عَلَى مَا إِذَا وَقَعَ الشَّكّ فِي الْمَصْلَحَة أَوْ حُصُول الضَّرَر , وَإِلَّا فَالْقِتَال فَضِيلَة وَطَاعَة. وَيُؤَيِّد الْأَوَّل تَعْقِيب النَّهْي بِقَوْلِهِ " وَسَلُوا اللَّه الْعَافِيَة " وَأَخْرَجَ سَعِيد بْن مَنْصُور مِنْ طَرِيق يَحْيَى بْن أَبِي كَثِير مُرْسَلًا " لَا تَمَنَّوْا لِقَاء الْعَدُوّ فَإِنَّكُمْ لَا تَدْرُونَ عَسَى أَنْ تُبْتَلَوْا بِهِمْ " وَقَالَ اِبْن دَقِيق الْعِيد : لَمَّا كَانَ لِقَاء الْمَوْت مِنْ أَشَقّ الْأَشْيَاء عَلَى النَّفْس وَكَانَتْ الْأُمُور الْغَائِبَة لَيْسَتْ كَالْأُمُورِ الْمُحَقَّقَة لَمْ يُؤْمَن أَنْ يَكُون عِنْد الْوُقُوع كَمَا يَنْبَغِي فَيُكْرَه التَّمَنِّي لِذَلِكَ وَلِمَا فِيهِ لَوْ وَقَعَ مِنْ اِحْتِمَال أَنْ يُخَالِف الْإِنْسَان مَا وَعَدَ مِنْ نَفْسه , ثُمَّ أُمِر بِالصَّبْرِ عِنْد وُقُوع الْحَقِيقَة اِنْتَهَى. وَاسْتُدِلَّ بِهَذَا الْحَدِيث عَلَى مَنْع طَلَب الْمُبَارزَة , وَهُوَ رَأْي الْحَسَن الْبَصْرِيّ , وَكَانَ عَلِيّ يَقُول : لَا تَدْعُ إِلَى الْمُبَارَزَة , فَإِذَا دُعِيت فَأَجِب تُنْصَر , لِأَنَّ الدَّاعِي بَاغٍ. وَقَدْ تَقَدَّمَ قَوْل عَلِيّ فِي ذَلِكَ.

قَوْله : ( ثُمَّ قَالَ اللَّهُمَّ مُنْزِل الْكِتَاب إِلَخْ ) أَشَارَ بِهَذَا الدُّعَاء إِلَى وُجُوه النَّصْر عَلَيْهِمْ , فَبِالْكِتَابِ إِلَى قَوْله تَعَالَى ( قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبهُمْ اللَّه بِأَيْدِيكُمْ ) وَبِمُجْرِيَ السَّحَاب إِلَى الْقُدْرَة الظَّاهِرَة فِي تَسْخِير السَّحَاب حَيْثُ يُحَرِّك الرِّيح بِمَشِيئَةِ اللَّه تَعَالَى , وَحَيْثُ يَسْتَمِرّ فِي مَكَانه مَعَ هُبُوب الرِّيح , وَحَيْثُ تُمْطِر تَارَة وَأُخْرَى لَا تُمْطِر , فَأَشَارَ بِحَرَكَتِهِ إِلَى إِعَانَة الْمُجَاهِدِينَ فِي حَرَكَتهمْ فِي الْقِتَال , وَبِوُقُوفِهِ إِلَى إِمْسَاك أَيْدِي الْكُفَّار عَنْهُمْ , وَبِإِنْزَالِ الْمَطَر إِلَى غَنِيمَة مَا مَعَهُمْ حَيْثُ يَتَّفِق قَتْلهمْ , وَبِعَدَمِهِ إِلَى هَزِيمَتهمْ حَيْثُ لَا يَحْصُل الظُّفْر بِشَيئ مِنْهُمْ , وَكُلّهَا أَحْوَال صَالِحَة لِلْمُسْلِمِينَ. وَأَشَارَ بِهَازِمِ الْأَحْزَاب إِلَى التَّوَسُّل بِالنِّعْمَةِ السَّابِقَة , وَإِلَى تَجْرِيد التَّوَكُّل , وَاعْتِقَاد أَنَّ اللَّه هُوَ الْمُنْفَرِد بِالْفِعْلِ. وَفِيهِ التَّنْبِيه عَلَى عِظَم هَذِهِ النِّعَم الثَّلَاث , فَإِنَّ بِإِنْزَالِ الْكِتَاب حَصَلَتْ النِّعْمَة الْأُخْرَوِيَّة وَهِيَ الْإِسْلَام , وَبِإِجْرَاءِ السَّحَاب حَصَلَتْ النِّعْمَة الدُّنْيَوِيَّة وَهِيَ الرِّزْق , وَبِهَزِيمَةِ الْأَحْزَاب حَصَلَ حِفْظ النِّعْمَتَيْنِ , وَكَأَنَّهُ قَالَ : اللَّهُمَّ كَمَا أَنْعَمْت بِعَظِيمِ النِّعْمَتَيْنِ الْأُخْرَوِيَّة وَالدُّنْيَوِيَّة وَحَفِظْتهمَا فَأَبْقِهِمَا. وَرَوَى الْإِسْمَاعِيلِيّ فِي هَذَا الْحَدِيث مِنْ وَجْه آخَر أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَعَا أَيْضًا فَقَالَ " اللَّهُمَّ أَنْتَ رَبّنَا وَرَبّهمْ , وَنَحْنُ عَبِيدك وَهُمْ عَبِيدك نَوَاصِينَا وَنَوَاصِيهمْ بِيَدِك , فَاهْزِمْهُمْ وَانْصُرْنَا عَلَيْهِمْ " وَلِسَعِيدِ بْن مَنْصُور مِنْ طَرِيق أَبِي عَبْد الرَّحْمَن الْحُبُلِيِّ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُرْسَلًا نَحْوه لَكِنْ بِصِيغَةِ الْأَمْر عَطْفًا عَلَى قَوْله ( وَسَلُوا اللَّه الْعَافِيَة : فَإِنْ بُلِيتُمْ بِهِمْ فَقُولُوا اللَّهُمَّ ) فَذَكَرَهُ وَزَادَ ( وَغُضُّوا أَبْصَاركُمْ وَاحْمِلُوا عَلَيْهِمْ عَلَى بَرَكَة اللَّه ).

العودة إلى الحديث

الأحد، 11 أكتوبر 2026 30 ربيع الآخر 1448 هـ