حَدِيث عَلِيٍّ " مَا كَتَبْنَا عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا الْقُرْآن " الْحَدِيث , وَقَدْ تَقَدَّمَ التَّنْبِيه عَلَيْهِ قَرِيبًا , وَالْمُرَاد مِنْهُ قَوْله " مَنْ أَخْفَرَ مُسْلِمًا " وَهُوَ بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة وَالْفَاء أَيْ نَقَضَ عَهْدَهُ. حَدِيث أَبِي هُرَيْرَةَ.
قَوْله : ( وَقَالَ أَبُو مُوسَى ) هُوَ مُحَمَّد بْن الْمُثَنَّى شَيْخ الْبُخَارِيّ , وَقَدْ تَكَرَّرَ نَقْل الْخِلَاف فِي هَذِهِ الصِّيغَة هَلْ تَقُوم مَقَام الْعَنْعَنَة فَتُحْمَل عَلَى السَّمَاع أَوْ لَا تُحْمَل عَلَى السَّمَاع , إِلَّا مِمَّنْ جَرَتْ عَادَته أَنْ يَسْتَعْمِلهَا فِيهِ ؟ وَبِهَذَا الْأَخِير جَزَمَ الْخَطِيب. وَهَذَا الْحَدِيث قَدْ وَصَلَهُ أَبُو نُعَيْم فِي " الْمُسْتَخْرَج " مِنْ طَرِيق مُوسَى بْن عَبَّاس عَنْ أَبِي مُوسَى مِثْله , وَوَقَعَ فِي بَعْض نُسَخ الْبُخَارِيّ " حَدَّثَنَا أَبُو مُوسَى " وَالْأَوَّل هُوَ الصَّحِيح وَبِهِ جَزَمَ الْإِسْمَاعِيلِيّ وَأَبُو نُعَيْم وَغَيْرهمَا , ( وَإِسْحَاق بْن سَعِيد ) أَيْ اِبْن عَمْرو بْن سَعِيد بْن الْعَاصِ , وَقَدْ وَافَقَهُ أَخُوهُ خَالِد بْنُ سَعِيد أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيقه بِنَحْوِهِ.
قَوْله : ( إِذَا لَمْ تَجْتَبُوا ) مِنْ الْجِبَايَة بِالْجِيمِ وَالْمُوَحَّدَة وَبَعْد الْأَلِف تَحْتَانِيَّة , أَيْ لَمْ تَأْخُذُوا مِنْ الْجِزْيَة وَالْخَرَاج شَيْئًا.
قَوْله : ( تُنْتَهَك ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ أَيْ تَتَنَاوَل مِمَّا لَا يَحِلّ مِنْ الْجَوْر وَالظُّلْم.
قَوْله : ( فَيَمْنَعُونَ مَا فِي أَيْدِيهمْ ) أَيْ يَمْتَنِعُونَ مِنْ أَدَاء الْجِزْيَة , قَالَ الْحُمَيْدِيُّ : أَخْرَجَ مُسْلِم مَعْنَى هَذَا الْحَدِيث مِنْ وَجْه آخَر عَنْ سُهَيْل عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة رَفْعه " مَنَعَتْ الْعِرَاق دِرْهَمًا وَقَفِيزهَا " وَسَاقَ الْحَدِيث بِلَفْظِ الْفِعْل الْمَاضِي , وَالْمُرَاد بِهِ مَا يُسْتَقْبَل مُبَالَغَة فِي الْإِشَارَة إِلَى تَحَقُّق وُقُوعه , وَلِمُسْلِمٍ عَنْ جَابِر أَيْضًا مَرْفُوعًا " يُوشِك أَهْل الْعِرَاق أَنْ لَا يُجْتَبَى إِلَيْهِمْ بَعِير وَلَا دِرْهَم , قَالُوا : مِمَّ ذَلِكَ ؟ قَالَ : مِنْ قِبَل الْعَجَم يَمْنَعُونَ ذَلِكَ " وَفِيهِ عِلْم مِنْ أَعْلَام النُّبُوَّة , وَالتَّوْصِيَة بِالْوَفَاءِ لِأَهْلِ الذِّمَّة لِمَا فِي الْجِزْيَة الَّتِي تُؤْخَذ مِنْهُمْ مِنْ نَفْع الْمُسْلِمِينَ , وَفِيهِ التَّحْذِير مِنْ ظُلْمهمْ وَأَنَّهُ مَتَى وَقَعَ ذَلِكَ نَقَضُوا الْعَهْد فَلَمْ يَجْتَبِ الْمُسْلِمُونَ مِنْهُمْ شَيْئًا فَتَضِيق أَحْوَالهمْ. وَذَكَرَ اِبْن حَزْم أَنَّ بَعْض الْمَالِكِيَّة اِحْتَجَّ بِقَوْلِهِ فِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة " مَنَعَتْ الْعِرَاق دِرْهَمًا " الْحَدِيث عَلَى أَنَّ الْأَرْض الْمَغْنُومَة لَا تُقَسَّم وَلَا تُبَاع وَأَنَّ الْمُرَاد بِالْمَنْعِ مَنْع الْخَرَاج , وَرَدَّهُ بِأَنَّ الْحَدِيث وَرَدَ فِي الْإِنْذَار بِمَا يَكُون مِنْ سُوء الْعَاقِبَة وَأَنَّ الْمُسْلِمِينَ سَيُمْنَعُونَ حُقُوقهمْ فِي آخِر الْأَمْر , وَكَذَلِكَ وَقَعَ.