انتقل إلى المحتوى
السبيل

الشرح القديم لـصحيح البخاري ⁦3434⁩

ابن حجر العسقلاني — فتح الباري

حَدَيث أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ فِي فَضْل مَرْيَم وَآسِيَة , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحه فِي آخَر قِصَّة مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام. وَحَدِيث أَبِي هُرَيْرَة فِي فَضْل نِسَاء قُرَيْش.

قَوْله : ( وَقَالَ اِبْن وَهْب إِلَخْ ) وَصَلَهُ مُسْلِم عَنْ حَرْمَلَة عَنْ اِبْن وَهْب , وَكَذَلِكَ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ عَنْ الْحَسَن بْن سُفْيَان عَنْ حَرْمَلَة , وَسَيَأْتِي لِلْمُصَنِّفِ مَوْصُولًا مِنْ وَجْه آخَر عَنْ اِبْن وَهْب فِي النِّكَاح , قَالَ الْقُرْطُبِيّ : هَذَا تَفْضِيل لِنِسَاءِ قُرَيْش عَلَى نِسَاء الْعَرَب خَاصَّة , لِأَنَّهُمْ أَصْحَاب الْإِبِل غَالِبًا , وَسَيَأْتِي بَقِيَّة شَرْحه فِي كِتَاب النِّكَاح إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى.

قَوْله : ( أَحْنَاهُ ) أَشْفَقه , حَنَى يَحْنُو وَيُحْنِي مِنْ الثُّلَاثِيّ , وَأَحْنَى يُحْنِي مِنْ الرُّبَاعِيّ : أَشْفَقَ عَلَيْهِ وَعَطَفَ , وَالْحَانِيَة الَّتِي تَقُوم بِوَلَدِهَا بَعْد مَوْت الْأَب , قَالَ : وَحَنَتْ الْمَرْأَة عَلَى وَلَدهَا إِذَا لَمْ تَتَزَوَّج بَعْد مَوْت الْأَب. قَالَ اِبْن التِّين : فَإِنْ تَزَوَّجَتْ فَلَيْسَتْ بِحَانِيَة. قَالَ الْحَسَن فِي الْحَانِيَة الَّتِي لَهَا وَلَد وَلَا تَتَزَوَّج. وَفِي بَعْض الْكُتُب : أَحْنَى بِتَشْدِيدِ النُّون وَالتَّنْوِين حَكَاهُ اِبْن التِّين وَقَالَ : لَعَلَّهُ مَأْخُوذ مِنْ الْحَنَان بِفَتْحِ وَتَخْفِيف وَهُوَ الرَّحْمَة , وَحَنَتْ الْمَرْأَة إِلَى وَلَدهَا وَإِلَى زَوْجهَا سَوَاء كَانَ بِصَوْت أَمْ لَا , وَمِنْ الَّذِي بِالصَّوْتِ حَنِين الْجِذْع وَأَصْله تَرْجِيع صَوْت النَّاقَة عَلَى أَثَر وَلَدهَا , وَكَانَ الْقِيَاس أَحْنَاهُنَّ لَكِنْ جَرَى لِسَان الْعَرَب بِالْإِفْرَادِ , وَقَوْله : " وَلَمْ تَرْكَب مَرْيَم بَعِيرًا قَطّ " إِشَارَة إِلَى أَنَّ مَرْيَم لَمْ تَدْخُل فِي هَذَا التَّفْضِيل بَلْ هُوَ خَاصّ بِمَنْ يَرْكَب الْإِبِل , وَالْفَضْل الْوَارِد فِي خَدِيجَة وَفَاطِمَة وَعَائِشَة هُوَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى جَمِيع النِّسَاء إِلَّا مَنْ قِيلَ إِنَّهَا نَبِيَّة , فَإِنْ ثَبَتَ فِي حَقّ اِمْرَأَة أَنَّهَا نَبِيَّة فَهِيَ خَارِجَة بِالشَّرْعِ لِأَنَّ دَرَجَة النُّبُوَّة لَا شَيْء بَعْدهَا , وَإِنْ لَمْ يَثْبُت فَيَحْتَاج مَنْ يُخْرِجهُنَّ إِلَى دَلِيل خَاصّ لِكُلٍّ مِنْهُنَّ , فَأَشَارَ أَبُو هُرَيْرَة إِلَى أَنَّ مَرْيَم لَمْ تَدْخُل فِي هَذَا الْعُمُوم , لِأَنَّهُ قَيَّدَ أَصْل الْفَضْل بِمَنْ يَرْكَب الْإِبِل وَمَرْيَم لَمْ تَرْكَب بَعِيرًا قَطّ. وَقَدْ اِعْتَرَضَ بَعْضهمْ فَقَالَ : كَأَنَّ أَبَا هُرَيْرَة ظَنَّ أَنَّ الْبَعِير لَا يَكُون إِلَّا مِنْ الْإِبِل , وَلَيْسَ كَمَا ظَنَّ بَلْ يُطْلَق الْبَعِير عَلَى الْحِمَار. وَقَالَ اِبْن خَالَوَيْهِ : لَمْ تَكُنْ إِخْوَة يُوسُف رُكْبَانًا إِلَّا عَلَى أَحْمِرَة , وَلَمْ يَكُنْ عِنْدهمْ إِبِل , وَإِنَّمَا كَانَتْ تَحْمِلهُمْ فِي أَسْفَارهمْ وَغَيْرهَا الْأَحْمِرَة , وَكَذَا قَالَ مُجَاهِد هُنَا : الْبَعِير الْحِمَار , وَهِيَ لُغَة حَكَاهَا الكواشي , وَاسْتُدِلَّ بِقَوْلِهِ : ( اِصْطَفَاك عَلَى نِسَاء الْعَالَمِينَ ) عَلَى أَنَّهَا كَانَتْ نَبِيَّة , وَيُؤَيِّد ذِكْرهَا فِي سُورَة مَرْيَم بِمِثْلِ مَا ذُكِرَ بِهِ الْأَنْبِيَاء , وَلَا يَمْنَع وَصْفهَا بِأَنَّهَا صِدِّيقَة فَإِنَّ يُوسُف وُصِفَ بِذَلِكَ مَعَ كَوْنه نَبِيًّا , وَقَدْ نُقِلَ عَنْ الْأَشْعَرِيّ أَنَّ فِي النِّسَاء نَبِيَّات. وَجَزَمَ اِبْن حَزْم بِسِتّ : حَوَّاء وَسَارَة وَهَاجَر وَأُمّ مُوسَى وَآسِيَة وَمَرْيَم , وَلَمْ يَذْكُر الْقُرْطُبِيّ سَارَة وَلَا هَاجَر , وَنَقَلَهُ السُّهَيْلِيُّ فِي آخِر " الرَّوْض " عَنْ أَكْثَر الْفُقَهَاء , وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ : الصَّحِيح أَنَّ مَرْيَم نَبِيَّة , وَقَالَ عِيَاض : الْجُمْهُور عَلَى خِلَافه. وَذَكَر النَّوَوِيّ فِي " الْأَذْكَار " عَنْ إِمَام الْحَرَمَيْنِ أَنَّهُ نَقَلَ الْإِجْمَاع عَلَى أَنَّ مَرْيَم لَيْسَتْ نَبِيَّة , وَنَسَبَهُ فِي " شَرْح الْمُهَذَّب " لِجَمَاعَة , وَجَاءَ عَنْ الْحَسَن الْبَصْرِيّ لَيْسَ فِي النِّسَاء نَبِيَّة وَلَا فِي الْجِنّ , وَقَالَ السُّبْكِيّ : اُخْتُلِفَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَة وَلَمْ يَصِحّ عِنْدِي فِي ذَلِكَ شَيْء.

قَوْله : ( يَقُول أَبُو هُرَيْرَة عَلَى أَثَر ذَلِكَ : وَلَمْ تَرْكَب مَرْيَم بِنْت عِمْرَان بَعِيرًا قَطّ ) فِي رِوَايَة لِأَحْمَد وَأَبِي يَعْلَى " وَقَدْ عَلِمَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ مَرْيَم لَمْ تَرْكَب بَعِيرًا قَطّ " أَرَادَ أَبُو هُرَيْرَة بِذَلِكَ أَنَّ مَرْيَم لَمْ تَدْخُل فِي النِّسَاء الْمَذْكُورَات بِالْخَيْرِيَّةِ لِأَنَّهُ قَيَّدَهُنَّ بِرُكُوبِ الْإِبِل وَمَرْيَم لَمْ تَكُنْ مِمَّنْ يَرْكَب الْإِبِل , وَكَأَنَّهُ كَانَ يَرَى أَنَّهَا أَفْضَل النِّسَاء مُطْلَقًا.

قَوْله : ( تَابَعَهُ اِبْن أَخِي الزُّهْرِيّ وَإِسْحَاق الْكَلْبِيّ عَنْ الزُّهْرِيّ ) أَمَّا مُتَابَعَة اِبْن أَخِي الزُّهْرِيّ وَهُوَ مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه بْن مُسْلِم فَوَصَلَهَا أَبُو أَحْمَد بْن عَدِيّ فِي الْكَامِل مِنْ طَرِيق الدَّرَاوُرْدِيّ عَنْهُ , وَأَمَّا مُتَابَعَة إِسْحَاق الْكَلْبِيّ فَوَصَلَهَا الزُّهْرِيّ فِي " الزُّهْرِيَّات " عَنْ يَحْيَى بْن صَالِح عَنْهُ.

العودة إلى الحديث

الأحد، 11 أكتوبر 2026 30 ربيع الآخر 1448 هـ