حَدَيث أَبِي هُرَيْرَة فِي ذِكْر مُوسَى وَعِيسَى وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي قِصَّة مُوسَى مِنْ هَذَا الْوَجْه , لَكِنْ زَادَ هُنَا إِسْنَادًا آخَر فَقَالَ " حَدَّثَنَا مَحْمُود وَهُوَ اِبْن غَيْلَان عَنْ عَبْد الرَّزَّاق " وَسَاقَهُ عَلَى لَفْظه , وَكَانَ سَاقَهُ هُنَاكَ عَلَى لَفْظ هِشَام بْن يُوسُف , وَقَوْله فِي هَذِهِ الرِّوَايَة " فَإِذَا رَجُل حَسِبْته قَالَ مُضْطَرِب " الْقَائِل " حَسِبْته " هُوَ عَبْد الرَّزَّاق , وَالْمُضْطَرِب الطَّوِيل غَيْر الشَّدِيد , وَقِيلَ الْخَفِيف اللَّحْم , وَتَقَدَّمَ فِي رِوَايَة هِشَام بِلَفْظِ " ضُرِبَ " وَفُسِّرَ بِالنَّحِيفِ , وَلَا مُنَافَاة بَيْنهمَا. وَقَالَ اِبْن التِّين : هَذَا الْوَصْف مُغَايِر لِقَوْلِهِ بَعْد هَذَا " إِنَّهُ جَسِيم " يَعْنِي فِي الرِّوَايَة الَّتِي بَعْد هَذِهِ , وَقَالَ : وَالَّذِي وَقَعَ نَعْته بِأَنَّهُ جَسِيم إِنَّمَا هُوَ الدَّجَّال. وَقَالَ عِيَاض : رِوَايَة مَنْ قَالَ " ضَرْب " أَصَحّ مِنْ رِوَايَة مَنْ قَالَ " مُضْطَرِب " لِمَا فِيهَا مِنْ الشَّكّ , قَالَ وَقَدْ وَقَعَ فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى " جَسِيم " وَهُوَ ضِدّ الضَّرْب , إِلَّا أَنْ يُرَاد بِالْجَسِيمِ الزِّيَادَة فِي الطُّول , وَقَالَ التَّيْمِيُّ : لَعَلَّ بَعْض لَفْظ هَذَا الْحَدِيث دَخَلَ فِي بَعْض , لِأَنَّ الْجَسِيم إِنَّمَا وَرَدَ فِي صِفَة الدَّجَّال لَا فِي صِفَة مُوسَى اِنْتَهَى. وَالَّذِي يَتَعَيَّن الْمَصِير إِلَيْهِ مَا جَوَّزَهُ عِيَاض أَنَّ الْمُرَاد بِالْجَسِيمِ فِي صِفَة مُوسَى الزِّيَادَة فِي الطُّول , وَيُؤَيِّدهُ قَوْله فِي الرِّوَايَة الَّتِي بَعْد هَذِهِ " كَأَنَّهُ مِنْ رِجَال الزُّطّ " وَهُمْ طِوَال غَيْر غِلَاظ , وَوَقَعَ فِي حَدِيث الْإِسْرَاء وَهُوَ فِي بَدْء الْخَلْق " رَأَيْت مُوسَى جَعْدًا طُوَالًا " وَاسْتَنْكَرَهُ الدَّاوُدِيُّ فَقَالَ : لَا أَرَاهُ مَحْفُوظًا لِأَنَّ الطَّوِيل لَا يُوصَف بِالْجَعْدِ وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُمَا لَا يَتَنَافَيَانِ. وَقَالَ النَّوَوِيّ : الْجُعُودَة فِي صِفَة مُوسَى جُعُودَة الْجِسْم وَهُوَ اِكْتِنَازه وَاجْتِمَاعه لَا جُعُودَة الشَّعْر لِأَنَّهُ جَاءَ أَنَّهُ كَانَ رَجِل الشَّعْر. قَوْله فِي صِفَة عِيسَى : ( رَبْعَة ) هُوَ بِفَتْحِ الرَّاء وَسُكُون الْمُوَحَّدَة وَيَجُوز فَتْحهَا وَهُوَ الْمَرْبُوع , وَالْمُرَاد أَنَّهُ لَيْسَ بِطَوِيلِ جِدًّا وَلَا قَصِير جِدًّا بَلْ وَسَط , وَقَوْله : " مِنْ دِيمَاس " هُوَ بِكَسْرِ الْمُهْمَلَة وَسُكُون التَّحْتَانِيَّة وَآخِره مُهْمَلَة.
قَوْله : ( يَعْنِي الْحَمَّام ) هُوَ تَفْسِير عَبْد الرَّزَّاق , وَلَمْ يَقَع ذَلِكَ فِي رِوَايَة هِشَام , وَالدِّيمَاس فِي اللُّغَة السِّرْب , وَيُطْلَق أَيْضًا عَلَى الْكِنّ , وَالْحَمَّام مِنْ جُمْلَة الْكِنّ. الْمُرَاد مِنْ ذَلِكَ وَصْفه بِصَفَاءِ اللَّوْن وَنَضَارَة الْجِسْم وَكَثْرَة مَاء الْوَجْه حَتَّى كَأَنَّهُ كَانَ فِي مَوْضِع كِنّ فَخَرَجَ مِنْهُ وَهُوَ عَرْقَان , وَسَيَأْتِي فِي رِوَايَة اِبْن عُمَر بَعْد هَذَا " يَنْطِف رَأْسه مَاء " وَهُوَ مُحْتَمَل لِأَنْ يُرَاد الْحَقِيقَة , وَأَنَّهُ عَرَقَ حَتَّى قَطَرَ الْمَاء مِنْ رَأْسه , وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون كِنَايَة عَنْ مَزِيد نَضَارَة وَجْهه , وَيُؤَيِّدهُ أَنَّ فِي رِوَايَة عَبْد الرَّحْمَن بْن آدَم عَنْ أَبِي هُرَيْرَة عِنْد أَحْمَد وَأَبِي دَاوُدَ " يَقْطُر رَأْسه مَاء وَإِنْ لَمْ يُصِبْهُ بَلَل ".
قَوْله : ( وَأَتَيْت بِإِنَاءَيْنِ ) يَأْتِي الْكَلَام عَلَيْهِ فِي الْكَلَام عَلَى الْإِسْرَاء فِي السِّيرَة النَّبَوِيَّة إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى.