انتقل إلى المحتوى
السبيل

الشرح القديم لـصحيح البخاري ⁦4771⁩

ابن حجر العسقلاني — فتح الباري

قَوْله فِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة ( اِشْتَرُوا أَنْفُسكُمْ مِنْ اللَّه ) أَيْ بِاعْتِبَارِ تَخْلِيصهَا مِنْ النَّار , كَأَنَّهُ قَالَ : أَسْلِمُوا تَسْلَمُوا مِنْ الْعَذَاب , فَكَانَ ذَلِكَ كَالشِّرَاءِ , كَأَنَّهُمْ جَعَلُوا الطَّاعَة ثَمَن النَّجَاة. وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى : ( إِنَّ اللَّه اِشْتَرَى مِنْ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسهمْ ) فَهُنَاكَ الْمُؤْمِن بَائِع بِاعْتِبَارِ تَحْصِيل الثَّوَاب وَالثَّمَن الْجَنَّة , وَفِيهِ إِشَارَة إِلَى أَنَّ النُّفُوس كُلّهَا مِلْك لِلَّهِ تَعَالَى , وَأَنَّ مَنْ أَطَاعَهُ حَقّ طَاعَته فِي اِمْتِثَال أَوَامِره وَاجْتِنَاب نَوَاهِيه وَوَفَّى مَا عَلَيْهِ مِنْ الثَّمَن , وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيق.

قَوْله : ( يَا بَنِي عَبْد مَنَافٍ , اِشْتَرُوا أَنْفُسكُمْ مِنْ اللَّه , يَا عَبَّاس إِلَخْ ) فِي رِوَايَة مُوسَى بْن طَلْحَة عَنْ أَبِي هُرَيْرَة عِنْدَ مُسْلِم وَأَحْمَد " دَعَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَرِيبًا فَعَمَّ وَخَصَّ فَقَالَ : يَا مَعْشَرَ قُرَيْش أَنْقِذُوا أَنْفُسكُمْ مِنْ النَّار. يَا مَعْشَر بَنِي كَعْب , يَا مَعْشَر بَنِي هَاشِم كَذَلِكَ , يَا مَعْشَر بَنِي عَبْد الْمُطَّلِب كَذَلِكَ " الْحَدِيث.

قَوْله : ( يَا صَفِيَّة عَمَّة رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) بِنَصْبِ عَمَّة , وَيَجُوز فِي صَفِيَّة الرَّفْع وَالنَّصْب وَكَذَا الْقَوْل فِي قَوْله يَا فَاطِمَة بِنْت مُحَمَّد.

قَوْله : ( تَابَعَهُ أَصْبَغ عَنْ اِبْن وَهْب إِلَخْ ) سَبَقَ التَّنْبِيه عَلَيْهِ فِي الْوَصَايَا , وَفِي الْحَدِيث أَنَّ الْأَقْرَب لِلرَّجُلِ مَنْ كَانَ يَجْمَعهُ هُوَ وَجَدّ أَعْلَى , وَكُلّ مَنْ اِجْتَمَعَ مَعَهُ فِي جَدّ دُونَ ذَلِكَ كَانَ أَقْرَب إِلَيْهِ , وَقَدْ تَقَدَّمَ الْبَحْث فِي الْمُرَاد بِالْأَقْرَبِينَ وَالْأَقَارِب فِي الْوَصَايَا , وَالسِّرّ فِي الْأَمْر بِإِنْذَارِ الْأَقْرَبِينَ أَوَّلًا أَنَّ الْحُجَّة إِذَا قَامَتْ عَلَيْهِمْ تَعَدَّتْ إِلَى غَيْرهمْ , وَإِلَّا فَكَانُوا عِلَّة لِلْأَبْعَدِينَ فِي الِامْتِنَاع , وَأَنْ لَا يَأْخُذَهُ مَا يَأْخُذ الْقَرِيب لِلْقَرِيبِ مِنْ الْعَطْف وَالرَّأْفَة فَيُحَابِيهِمْ فِي الدَّعْوَة وَالتَّخْوِيف , فَلِذَلِكَ نَصَّ لَهُ عَلَى إِنْذَارهمْ. وَفِيهِ جَوَاز تَكْنِيَة الْكَافِر , وَفِيهِ خِلَاف بَيْنَ الْعُلَمَاء , كَذَا قِيلَ. وَفِي إِطْلَاقه نَظَر , لِأَنَّ الَّذِي مَنَعَ مِنْ ذَلِكَ إِنَّمَا مَنَعَ مِنْهُ حَيْثُ يَكُون السِّيَاق يُشْعِر بِتَعْظِيمِهِ , بِخِلَافِ مَا إِذَا كَانَ ذَلِكَ لِشُهْرَتِهِ بِهَا دُونَ غَيْرهَا كَمَا فِي هَذَا أَوْ لِلْإِشَارَةِ إِلَى مَا يَئُولُ أَمْره إِلَيْهِ مِنْ لَهَب جَهَنَّم. وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون تَرَكَ ذِكْره بِاسْمِهِ لِقُبْحِ اِسْمه لِأَنَّ اِسْمه كَانَ عَبْد الْعُزَّى , وَيُمْكِن جَوَاب آخَر وَهُوَ أَنَّ التَّكْنِيَة لَا تَدُلّ بِمُجَرَّدِهَا عَلَى التَّعْظِيم , بَلْ قَدْ يَكُون الِاسْم أَشْرَفَ مِنْ الْكُنْيَة , وَلِهَذَا ذَكَرَ اللَّه الْأَنْبِيَاء بِأَسْمَائِهِمْ دُونَ كُنَاهُمْ.

العودة إلى الحديث

الاثنين، 12 أكتوبر 2026 1 جمادى الأولى 1448 هـ