انتقل إلى المحتوى
السبيل

الشرح القديم لـصحيح البخاري ⁦5073⁩

ابن حجر العسقلاني — فتح الباري

حَدِيث سَعْد بْن أَبِي وَقَّاص فِي قِصَّة عُثْمَان بْن مَظْعُون أَوْرَدَهُ مِنْ طَرِيقَيْنِ إِلَى اِبْن شِهَاب الزُّهْرِيِّ , وَقَدْ أَوْرَدَهُ مُسْلِم مِنْ طَرِيق عُقَيْل عَنْ اِبْن شِهَاب بِلَفْظِ " أَرَادَ عُثْمَان بْن مَظْعُون أَنْ يَتَبَتَّل , فَنَهَاهُ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " فَعَرَفَ أَنَّ مَعْنَى قَوْله " رَدَّ عَلَى عُثْمَان " أَيْ لَمْ يَأْذَن لَهُ بَلْ نَهَاهُ. وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيث عُثْمَان بْن مَظْعُون نَفْسه " أَنَّهُ قَالَ يَا رَسُول اللَّه إِنِّي رَجُل يَشُقّ عَلَيَّ الْعُزُوبَة , فَأْذَنْ لِي فِي الْخِصَاء. قَالَ : لَا , وَلَكِنْ عَلَيْك بِالصِّيَامِ " الْحَدِيث. وَمِنْ طَرِيق سَعِيد بْن الْعَاصِ " أَنَّ عُثْمَان قَالَ : يَا رَسُول اللَّه اِئْذَنْ لِي فِي الِاخْتِصَاء , فَقَالَ : إِنَّ اللَّه قَدْ أَبْدَلَنَا بِالرَّهْبَانِيَّةِ الْحَنِيفِيَّة السَّمْحَة " فَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون الَّذِي طَلَبَهُ عُثْمَان هُوَ الِاخْتِصَاء حَقِيقَة فَعَبَّرَ عَنْهُ الرَّاوِي بِالتَّبَتُّلِ لِأَنَّهُ يَنْشَأ عَنْهُ , فَلِذَلِكَ قَالَ " وَلَوْ أَذِنَ لَهُ لَاخْتَصَيْنَا " وَيَحْتَمِل عَكْسه وَهُوَ أَنَّ الْمُرَاد بِقَوْلِ سَعْد " وَلَوْ أَذِنَ لَهُ لَاخْتَصَيْنَا " لَفَعَلْنَا فِعْلَ مَنْ يَخْتَصِي وَهُوَ الِانْقِطَاع عَنْ النِّسَاء. قَالَ الطَّبَرِيُّ : التَّبَتُّل الَّذِي أَرَادَهُ عُثْمَان بْن مَظْعُون تَحْرِيم النِّسَاء وَالطِّيب وَكُلّ مَا يُلْتَذّ بِهِ , فَلِهَذَا أَنْزَلَ فِي حَقّه ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَات مَا أَحَلَّ اللَّه لَكُمْ ) وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْبَاب الْأَوَّل مِنْ كِتَاب النِّكَاح تَسْمِيَة مَنْ أَرَادَ ذَلِكَ مَعَ عُثْمَان بْن مَظْعُون وَمَنْ وَافَقَهُ , وَكَانَ عُثْمَان مِنْ السَّابِقِينَ إِلَى الْإِسْلَام , وَقَدْ تَقَدَّمَتْ قِصَّته مَعَ لَبِيد بْن رَبِيعَة فِي كِتَاب الْمَبْعَث , وَتَقَدَّمَتْ قِصَّة وَفَاته فِي كِتَاب الْجَنَائِز , وَكَانَتْ فِي ذِي الْحَجَّة سَنَة اِثْنَتَيْنِ مِنْ الْهِجْرَة , وَهُوَ أَوَّل مِنْ دُفِنَ بِالْبَقِيعِ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ : قَوْله " وَلَوْ أَذِنَ لَهُ لَاخْتَصَيْنَا " كَانَ الظَّاهِر أَنْ يَقُول وَلَوْ أَذِنَ لَهُ لَتَبَتَّلْنَا , لَكِنَّهُ عَدَلَ عَنْ هَذَا الظَّاهِر إِلَى قَوْله " لَاخْتَصَيْنَا " لِإِرَادَةِ الْمُبَالَغَة , أَيْ لَبَالَغْنَا فِي التَّبَتُّل حَتَّى يُفْضِي بِنَا الْأَمْر إِلَى الِاخْتِصَاء , وَلَمْ يُرِدْ بِهِ حَقِيقَة الِاخْتِصَاء لِأَنَّهُ حَرَام , وَقِيلَ بَلْ هُوَ عَلَى ظَاهِره , وَكَانَ ذَلِكَ قَبْل النَّهْي عَنْ الِاخْتِصَاء , وَيُؤَيِّدهُ تَوَارُد اِسْتِئْذَان جَمَاعَة مِنْ الصَّحَابَة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ذَلِكَ كَأَبِي هُرَيْرَة وَابْن مَسْعُود وَغَيْرهمَا , وَإِنَّمَا كَانَ التَّعْبِير بِالْخِصَاءِ أَبْلَغ مِنْ التَّعْبِير بِالتَّبَتُّلِ لِأَنَّ وُجُود الْآلَة يَقْتَضِي اِسْتِمْرَار وُجُود الشَّهْوَة , وَوُجُود الشَّهْوَة يُنَافِي الْمُرَاد مِنْ التَّبَتُّل , فَيَتَعَيَّن الْخِصَاء طَرِيقًا إِلَى تَحْصِيل الْمَطْلُوب , وَغَايَته أَنَّ فِيهِ أَلَمًا عَظِيمًا فِي الْعَاجِل يُغْتَفَر فِي جَنْب مَا يَنْدَفِع بِهِ الْآجِل , فَهُوَ كَقَطْعِ الْإِصْبَع إِذَا وَقَعَتْ فِي الْيَد الْأَكِلَة صِيَانَة لِبَقِيَّةِ الْيَد , وَلَيْسَ الْهَلَاك بِالْخِصَاءِ مُحَقَّقًا بَلْ هُوَ نَادِر , وَيَشْهَد لَهُ كَثْرَة وُجُوده فِي الْبَهَائِم مَعَ بَقَائِهَا , وَعَلَى هَذَا فَلَعَلَّ الرَّاوِي عَبَّرَ بِالْخِصَاءِ عَنْ الْجَبّ لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي يُحَصِّل الْمَقْصُود. وَالْحِكْمَة فِي مَنْعهمْ مِنْ الِاخْتِصَاء إِرَادَة تَكْثِير النَّسْل لِيَسْتَمِرّ جِهَاد الْكُفَّار , وَإِلَّا لَوْ أَذِنَ فِي ذَلِكَ لَأَوْشَكَ تَوَارُدهمْ عَلَيْهِ فَيَنْقَطِع النَّسْل فَيَقِلّ الْمُسْلِمُونَ بِانْقِطَاعِهِ وَيَكْثُر الْكُفَّار , فَهُوَ خِلَاف الْمَقْصُود مِنْ الْبَعْثَة الْمُحَمَّدِيَّة.

العودة إلى الحديث

الاثنين، 12 أكتوبر 2026 1 جمادى الأولى 1448 هـ