انتقل إلى المحتوى
السبيل

الشرح القديم لـصحيح البخاري ⁦5125⁩

ابن حجر العسقلاني — فتح الباري

حَدِيث عَائِشَة. قَوْله ( أُرِيتُك ) بِضَمِّ الْهَمْزَة ( فِي الْمَنَام ) زَادَ فِي رِوَايَة أَبِي أُسَامَة فِي أَوَائِل النِّكَاح " مَرَّتَيْنِ ". قَوْله ( يَجِيء بِك الْمَلَك ) وَقَعَ فِي رِوَايَة أَبِي أُسَامَة " إِذَا رَجُل يَحْمِلك " فَكَأَنَّ الْمَلَك تَمَثَّلَ لَهُ حِينَئِذٍ رَجُلًا. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة اِبْن حِبَّان مِنْ طَرِيق أُخْرَى عَنْ عَائِشَة " جَاءَ بِي جِبْرِيل إِلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ". قَوْله ( فِي سَرَقَة مِنْ حَرِير ) السَّرَقَة بِفَتْحِ الْمُهْمَلَة وَالرَّاء وَالْقَاف هِيَ الْقِطْعَة , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة اِبْن حِبَّان " فِي خِرْقَة حَرِير " وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ : السَّرَقَة الثَّوْب , فَإِنْ أَرَادَ تَفْسِيره هُنَا فَصَحِيح , وَإِلَّا فَالسَّرَقَة أَعَمّ. وَأَغْرَبَ الْمُهَلَّب فَقَالَ : السَّرَقَة كَالْكَلَّةِ أَوْ كَالْبُرْقُعِ. وَعِنْد الْآجُرّيّ مِنْ وَجْهٍ آخَر عَنْ عَائِشَة " لَقَدْ نَزَلَ جِبْرِيل بِصُورَتِي فِي رَاحَته حِين أُمِرَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَتَزَوَّجنِي " وَيُجْمَع بَيْن هَذَا وَبَيْن مَا قَبْله بِأَنَّ الْمُرَاد أَنَّ صُورَتهَا كَانَتْ فِي الْخِرْقَة وَالْخِرْقَة فِي رَاحَته , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون نَزَلَ بِالْكَيْفِيَّتَيْنِ لِقَوْلِهَا فِي نَفْس الْخَبَر " نَزَلَ مَرَّتَيْنِ " قَوْله ( فَكَشَفْت عَنْ وَجْهك الثَّوْب ) فِي رِوَايَة أَبِي أُسَامَة " فَأَكْشِفهَا " فَعَبَّرَ بِلَفْظِ الْمُضَارِع اِسْتِحْضَارًا لِصُورَةِ الْحَال. قَالَ اِبْن الْمُنَيِّر : يَحْتَمِل أَنْ يَكُون رَأَى مِنْهَا مَا يَجُوز لِلْخَاطِبِ أَنْ يَرَاهُ , وَيَكُون الضَّمِير فِي " أَكْشِفهَا " لِلسَّرَقَةِ أَيْ أَكْشِفهَا عَنْ الْوَجْه , وَكَأَنَّهُ حَمَلَهُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ رُؤْيَا الْأَنْبِيَاء وَحْيٌ , وَأَنَّ عِصْمَتهمْ فِي الْمَنَام كَالْيَقَظَةِ , وَسَيَأْتِي فِي اللِّبَاس فِي الْكَلَام عَلَى تَحْرِيم التَّصْوِير مَا يَتَعَلَّق بِشَيْءٍ مِنْ هَذَا : وَقَالَ أَيْضًا : فِي الِاحْتِجَاج بِهَذَا الْحَدِيث لِلتَّرْجَمَةِ نَظَرٌ , لِأَنَّ عَائِشَة كَانَتْ إِذْ ذَاكَ فِي سِنّ الطُّفُولِيَّة فَلَا عَوْرَة فِيهَا الْبَتَّة , وَلَكِنْ يُسْتَأْنَس بِهِ فِي الْجُمْلَة فِي أَنَّ النَّظَر إِلَى الْمَرْأَة قَبْل الْعَقْد فِيهِ مَصْلَحَة تَرْجِع إِلَى الْعَقْد. قَوْله ( فَإِذَا أَنْتِ هِيَ ) فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ " فَإِذَا هِيَ أَنْتِ " وَكَذَا تَقَدَّمَ مِنْ رِوَايَة أَبِي أُسَامَة. قَوْله ( يُمْضِهِ ) بِضَمِّ أَوَّله , قَالَ عِيَاض : يَحْتَمِل أَنْ يَكُون ذَلِكَ قَبْل الْبَعْثَة فَلَا إِشْكَال فِيهِ , وَإِنْ كَانَ بَعْدهَا فَفِيهِ ثَلَاث اِحْتِمَالَات : أَحَدهَا التَّرَدُّد هَلْ هِيَ زَوْجَته فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة أَوْ فِي الْآخِرَة فَقَطْ , ثَانِيهَا أَنَّهُ لَفْظ شَكّ لَا يُرَاد بِهِ ظَاهِره وَهُوَ أَبْلَغ فِي التَّحَقُّق , وَيُسَمَّى فِي الْبَلَاغَة مَزْجُ الشَّكّ بِالْيَقِينِ , ثَالِثهَا وَجْه التَّرَدُّد هَلْ هِيَ رُؤْيَا وَحْيٍ عَلَى ظَاهِرهَا وَحَقِيقَتهَا أَوْ هِيَ رُؤْيَا وَحْي لَهَا تَعْبِير ؟ وَكِلَا الْأَمْرَيْنِ جَائِز فِي حَقّ الْأَنْبِيَاء. قُلْت : الْأَخِير هُوَ الْمُعْتَمَد , وَبِهِ جَزَمَ السُّهَيْلِيُّ عَنْ اِبْن الْعَرَبِيّ , ثُمَّ قَالَ : وَتَفْسِيره بِاحْتِمَالِ غَيْرهَا لَا أَرْضَاهُ , وَالْأَوَّل يَرُدّهُ أَنَّ السِّيَاق يَقْتَضِي أَنَّهَا كَانَتْ قَدْ وُجِدَتْ فَإِنَّ ظَاهِر قَوْله " فَإِذَا هِيَ أَنْتِ " مُشْعِر بِأَنَّهُ كَانَ قَدْ رَآهَا وَعَرَفَهَا قَبْل ذَلِكَ , وَالْوَاقِع أَنَّهَا وُلِدَتْ بَعْد الْبَعْثَة. وَيَرُدّ أَوَّل الِاحْتِمَالَات الثَّلَاث رِوَايَة اِبْن حِبَّان فِي آخِر حَدِيث الْبَاب " هِيَ زَوْجَتك فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة " وَالثَّانِي بَعِيد , وَاللَّه أَعْلَم.

العودة إلى الحديث

الأحد، 11 أكتوبر 2026 30 ربيع الآخر 1448 هـ