انتقل إلى المحتوى
السبيل

الشرح القديم لـصحيح البخاري ⁦5265⁩

ابن حجر العسقلاني — فتح الباري

ذَكَرَ الْمُصَنِّف حَدِيث عَائِشَة فِي قِصَّة اِمْرَأَة رِفَاعَة لِقَوْلِهِ فِيهِ " لَا تَحِلِّينَ لِزَوْجِك الْأَوَّل حَتَّى يَذُوقَ الْآخَرُ عُسَيْلَتك " وَسَيَأْتِي شَرْحه قَرِيبًا. وَقَوْله فِي هَذِهِ الرِّوَايَة " فَلَمْ يَقْرَبْنِي إِلَّا هَنَةً وَاحِدَة " هُوَ بِلَفْظِ حَرْف الِاسْتِثْنَاء , وَاَلَّتِي بَعْده بِفَتْحِ الْهَاء وَتَخْفِيف النُّون , وَحَكَى الْهَرَوِيُّ تَشْدِيدهَا وَقَدْ أَنْكَرَهُ الْأَزْهَرِيّ قَبْله , وَقَالَ الْخَلِيل : هِيَ كَلِمَة يُكَنَّى بِهَا عَنْ الشَّيْء يُسْتَحَيَا مِنْ ذِكْره بِاسْمِهِ , قَالَ اِبْن التِّين مَعْنَاهُ لَمْ يَطَأْنِي إِلَّا مَرَّة وَاحِدَة يُقَال هَنَّ اِمْرَأَتَهُ إِذَا غَشِيَهَا. وَنَقَلَ الْكَرْمَانِيُّ أَنَّهُ فِي أَكْثَر النُّسَخ بِمُوَحَّدَةٍ ثَقِيلَة أَيْ مَرَّة , وَاَلَّذِي ذَكَرَ صَاحِب " الْمَشَارِق " أَنَّ الَّذِي رَوَاهُ بِالْمُوَحَّدَةِ هُوَ اِبْن السَّكَن قَالَ : وَعِنْد الْكَافَّة بِالنُّونِ , وَحَكَى فِي مَعْنَى هِبَة بِالْمُوَحَّدَةِ مَا تَقَدَّمَ وَهُوَ أَنَّ الْمُرَاد بِهَا مَرَّة وَاحِدَة , قَالَ وَقِيلَ الْمُرَاد بِالْهِبَةِ الْوَقْعَة يُقَال حَدَرَ هِبَة السَّيْف أَيْ وَقْعَته , وَقِيلَ هِيَ مِنْ هَبَّ إِذَا اِحْتَاجَ إِلَى الْجِمَاع يُقَال هَبَّ التَّيْسُ يَهُبُّ هَبِيبًا. ( تَنْبِيهٌ ) : زَعَمَ اِبْنُ بَطَّالٍ أَنَّ الْبُخَارِيّ يَرَى أَنَّ التَّحْرِيم يَتَنَزَّل مَنْزِلَة الطَّلَاق الثَّلَاث , وَشَرَحَ كَلَامه عَلَى ذَلِكَ فَقَالَ بَعْد أَنَّ سَاقَ الِاخْتِلَاف فِي الْمَسْأَلَة : وَفِي قَوْل مَسْرُوق مَا أُبَالِي حَرَّمْت اِمْرَأَتِي أَوْ جَفْنَة ثَرِيد , وَقَوْل الشَّعْبِيّ أَنْتِ عَلَيَّ حَرَام أَهْوَن مِنْ فِعْلِي هَذَا الْقَوْل شُذُوذٌ , وَعَلَيْهِ رَدَّ الْبُخَارِيُّ , قَالَ وَاحْتَجَّ مَنْ ذَهَبَ أَنَّ مَنْ حَرَّمَ زَوْجَته أَنَّهَا ثَلَاث تَطْلِيقَات بِالْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّ مَنْ طَلَّقَ اِمْرَأَته ثَلَاثًا أَنَّهَا تَحْرُمُ عَلَيْهِ , قَالَ فَلَمَّا كَانَتْ الثَّلَاث تُحَرِّمهَا كَانَ التَّحْرِيم ثَلَاثًا , قَالَ وَإِلَى هَذِهِ الْحُجَّة أَشَارَ الْبُخَارِيّ بِإِيرَادِ حَدِيث رِفَاعَة لِأَنَّهُ طَلَّقَ اِمْرَأَته ثَلَاثًا فَلَمْ تَحِلّ لَهُ مُرَاجَعَتهَا إِلَّا بَعْد زَوْج , فَكَذَلِكَ مَنْ حَرَّمَ عَلَى نَفْسه اِمْرَأَته فَهُوَ كَمَنْ طَلَّقَهَا ا ه. وَفِيمَا قَالَهُ نَظَرٌ , وَاَلَّذِي يَظْهَر مِنْ مَذْهَب الْبُخَارِيّ أَنَّ الْحَرَام يَنْصَرِفُ إِلَى نِيَّة الْقَائِل , وَلِذَلِكَ صَدَّرَ الْبَاب بِقَوْلِ الْحَسَن الْبَصْرِيّ , وَهَذِهِ عَادَته فِي مَوْضِع الِاخْتِلَاف مَهْمَا صَدَّرَ بِهِ مِنْ النَّقْل عَنْ صَحَابِيّ أَوْ تَابِعِيّ فَهُوَ اِخْتِيَاره , وَحَاشَا الْبُخَارِيّ أَنْ يَسْتَدِلّ بِكَوْنِ الثَّلَاث تُحَرِّم أَنَّ كُلّ تَحْرِيم لَهُ حُكْم الثَّلَاث مَعَ ظُهُور مَنْع الْحَصْر , لِأَنَّ الطَّلْقَة الْوَاحِدَة تُحَرِّم غَيْر الْمَدْخُول بِهَا مُطْلَقًا وَالْبَائِن تُحَرِّم الْمَدْخُول بِهَا إِلَّا بَعْد عَقْد جَدِيد , وَكَذَلِكَ الرَّجْعِيَّة إِذَا اِنْقَضَتْ عِدَّتهَا فَلَمْ يَنْحَصِر التَّحْرِيم فِي الثَّلَاث , وَأَيْضًا فَالتَّحْرِيم أَعَمّ مِنْ التَّطْلِيق ثَلَاثًا فَكَيْف يُسْتَدَلّ بِالْأَعَمِّ عَلَى الْأَخَصّ ؟ وَمِمَّا يُؤَيِّد مَا اِخْتَرْنَاهُ أَوَّلًا تَعْقِيبُ الْبُخَارِيّ الْبَاب بِتَرْجَمَةِ " لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَك " وَسَاقَ فِيهِ قَوْل اِبْن عَبَّاس " إِذَا حَرَّمَ اِمْرَأَته فَلَيْسَ بِشَيْءٍ " كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

العودة إلى الحديث

الاثنين، 12 أكتوبر 2026 1 جمادى الأولى 1448 هـ