حَدِيث عَائِشَة فِي قِصَّة بَرِيرَة , وَفِيهِ " فَأُتِيَ بِأُدُمٍ مِنْ أُدْمِ الْبَيْت " وَفِيهِ ذِكْر اللَّحْم الَّذِي تُصَدِّق بِهِ عَلَى بَرِيرَة وَقَدْ مَضَى شَرْحه مُسْتَوْفًى فِي الْكَلَام عَلَى قِصَّة بَرِيرَة فِي الطَّلَاق. وَحَكَى اِبْن بَطَّالٍ عَنْ الطَّبَرِيِّ قَالَ : دَلَّتْ الْقِصَّة عَلَى إِيثَاره عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام اللَّحْم إِذَا وَجَدَ إِلَيْهِ السَّبِيل. ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيث بَرِيرَة رَفَعَهُ " سَيِّد الْإِدَام فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة اللَّحْم " وَأَمَّا مَا وَرَدَ عَنْ عُمَر وَغَيْره مِنْ السَّلَف مِنْ إِيثَار أَكْل غَيْر اللَّحْم عَلَى اللَّحْم فَإِمَّا لِقَمْعِ النَّفْس عَنْ تَعَاطِي الشَّهَوَات وَالْإِدْمَان عَلَيْهَا , وَإِمَّا لِكَرَاهَةِ الْإِسْرَاف وَالْإِسْرَاع فِي تَبْذِير الْمَال لِقِلَّةِ الشَّيْء عِنْدهمْ إِذْ ذَاكَ. ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيث جَابِر لَمَّا أَضَافَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَذَبَحَ لَهُ الشَّاة , فَلَمَّا قَدَّمَهَا إِلَيْهِ قَالَ لَهُ : كَأَنَّك قَدْ عَلِمْت حُبّنَا لِلَّحْمِ. وَكَانَ ذَلِكَ لِقِلَّةِ الشَّيْء عِنْدهمْ فَكَانَ حُبّهمْ لَهُ لِذَلِكَ ا ه مُلَخَّصًا. وَحَدِيث بَرِيرَة أَخْرَجَهُ اِبْن مَاجَهْ , وَحَدِيث جَابِر أَخْرَجَهُ أَحْمَد مُطَوَّلًا مِنْ طَرِيق نُبَيْح الْعَنْزِيّ عَنْهُ , وَأَصْله فِي الصَّحِيح بِدُونِ الزِّيَادَة. وَقَدْ اِخْتَلَفَ النَّاس فِي الْأُدْم : فَالْجُمْهُور أَنَّهُ مَا يُؤْكَل بِهِ الْخُبْز بِمَا يُطَيِّبهُ سَوَاء كَانَ مَرَقًا أَمْ لَا , وَاشْتَرَطَ أَبُو حَنِيفَة وَأَبُو يُوسُف الِاصْطِنَاع , وَسَيَأْتِي بَسْط ذَلِكَ فِي كِتَاب الْأَيْمَان وَالنُّذُور إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى وَوَقَعَ فِي حَدِيث عَائِشَة " فَقَالَ أَهْلهَا وَلَنَا الْوَلَاء " هُوَ مَعْطُوف عَلَى مَحْذُوف تَقْدِيره نَبِيعهَا وَلَنَا الْوَلَاء , وَفِيهِ " فَقَالَ لَوْ شِئْت شُرُطَاتِهِ " بِإِثْبَاتِ التَّحْتَانِيَّة وَهِيَ نَاشِئَة عَنْ إِشْبَاع حَرَكَة الْمُثَنَّاة , وَفِيهِ " وَأَعْتَقَتْ , فَخُيِّرَتْ بَيْن أَنْ تَقَرّ تَحْت زَوْجهَا أَوْ تُفَارِقهُ " قَالَ اِبْن التِّين : يَصِحّ أَنْ يَكُون أَصْله مِنْ وَقَرَ فَتَكُون الرَّاء مُخَفَّفَة يَعْنِي وَالْقَاف مَكْسُورَة , يُقَال وَقَرْت أَقَرّ إِذَا جَلَسْت مُسْتَقِرًّا وَالْمَخْذُوف فَاء الْفِعْل , قَالَ : وَيَصِحّ أَنْ تَكُون الْقَاف مَفْتُوحَة - يَعْنِي مَعَ تَشْدِيد الرَّاء - مِنْ قَوْلهمْ قَرَرْت بِالْمَكَانِ أَقَرّ , يُقَال بِفَتْحِ الْقَاف وَيَجُوز بِكَسْرِهَا مِنْ قُرَيْقِر ا ه مُلَخَّصًا , وَالثَّالِث هُوَ الْمَحْفُوظ فِي الرِّوَايَة. ( تَنْبِيهٌ ) : أَوْرَدَ الْبُخَارِيّ هَذَا الْحَدِيث هُنَا مِنْ طَرِيق إِسْمَاعِيل بْن جَعْفَر عَنْ رَبِيعَة عَنْ الْقَاسِم بْن مُحَمَّد قَالَ : كَانَ فِي بَرِيرَة ثَلَاث سُنَن. وَسَاقَ الْحَدِيث. وَلَيْسَ فِيهِ أَنَّهُ أَسْنَدَهُ عَنْ عَائِشَة وَتَعَقَّبَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ فَقَالَ : هَذَا الْحَدِيث الَّذِي صَحَّحَهُ مُرْسَل. وَهُوَ كَمَا قَالَ مِنْ ظَاهِر سِيَاقه , لَكِنَّ الْبُخَارِيّ اِعْتَمَدَ عَلَى إِيرَاده مَوْصُولًا مِنْ طَرِيق مَالِك عَنْ رَبِيعَة عَنْ الْقَاسِم عَنْ عَائِشَة كَمَا تَقَدَّمَ فِي النِّكَاح وَالطَّلَاق , لَكِنَّهُ جَرَى عَلَى عَادَته مِنْ تَجَنُّب إِيرَاد الْحَدِيث عَلَى هَيْئَته كُلّهَا فِي بَاب آخَر , وَقَدْ بَيَّنْت وَصْل هَذَا الْحَدِيث فِي " بَاب لَا يَكُون بَيْع الْأَمَة طَلَاقًا " مِنْ كِتَاب الطَّلَاق , وَاللَّهُ أَعْلَم.