حَدِيث سَلَمَة بْنِ الْأَكْوَع وَهُوَ مِنْ ثُلَاثِيَّاته.
قَوْله : ( فَلَمَّا كَانَ الْعَام الْمُقْبِل قَالُوا : يَا رَسُول اللَّه نَفْعَل كَمَا فَعَلْنَا فِي الْعَام الْمَاضِي ) ؟ يُسْتَفَاد مِنْهُ أَنَّ النَّهْي كَانَ سَنَة تِسْع لِمَا دَلَّ عَلَيْهِ الَّذِي قَبْله أَنَّ الْإِذْن كَانَ فِي سَنَة عَشْر , قَالَ اِبْن الْمُنَيِّر : وَجْه قَوْلهمْ هَلْ نَفْعَل كَمَا كُنَّا نَفْعَل ؟ مَعَ أَنَّ النَّهْي يَقْتَضِي الِاسْتِمْرَار , لِأَنَّهُمْ فَهِمُوا أَنَّ ذَلِكَ النَّهْي وَرَدَ عَلَى سَبَب خَاصّ , فَلَمَّا اِحْتَمَلَ عِنْدهمْ عُمُوم النَّهْي أَوْ خُصُوصه مِنْ أَجْل السَّبَب سَأَلُوا , فَأَرْشَدَهُمْ إِلَى أَنَّهُ خَاصّ بِذَلِكَ الْعَامّ مِنْ أَجْل السَّبَب الْمَذْكُور , وَقَوْله " كُلُوا وَأَطْعِمُوا " تَمَسَّكَ بِهِ مَنْ قَالَ بِوُجُوبِ الْأَكْل مِنْ الْأُضْحِيَّة , وَلَا حُجَّة فِيهِ لِأَنَّهُ أَمْر بَعْد حَظْر فَيَكُون لِلْإِبَاحَةِ , وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْعَامّ إِذَا وَرَدَ عَلَى سَبَب خَاصّ ضَعُفَتْ دَلَالَة الْعُمُوم حَتَّى لَا يَبْقَى عَلَى أَصَالَته , لَكِنْ لَا يُقْتَصَر فِيهِ عَلَى السَّبَب.
قَوْله : ( وَادَّخِرُوا ) بِالْمُهْمَلَةِ , وَأَصْله مِنْ ذَخَرَ بِالْمُعْجَمَةِ دَخَلْت عَلَيْهَا تَاء الِافْتِعَال ثُمَّ أُدْغِمَتْ , وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى ( وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّة ) وَيُؤْخَذ مِنْ الْإِذْن فِي الِادِّخَار الْجَوَاز خِلَافًا لِمَنْ كَرِهَهُ , وَقَدْ وَرَدَ فِي الِادِّخَار " كَانَ يَدَّخِر لِأَهْلِهِ قُوت سَنَة " وَفِي رِوَايَة " كَانَ لَا يَدَّخِر لِغَدٍ " وَالْأَوَّل فِي الصَّحِيحَيْنِ وَالثَّانِي فِي مُسْلِم , وَالْجَمْع بَيْنهمَا أَنَّهُ كَانَ لَا يَدَّخِر لِنَفْسِهِ وَيَدَّخِر لِعِيَالِهِ , أَوْ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ بِاخْتِلَافِ الْحَال فَيَتْرُكهُ عِنْد حَاجَة النَّاس إِلَيْهِ وَيَفْعَلهُ عِنْد عَدَمِ الْحَاجَة. قَوْله ( كَانَ بِالنَّاسِ جَهْد ) بِالْفَتْحِ أَيْ مَشَقَّة مِنْ جَهْد قَحْط السَّنَة.
قَوْله : ( فَأَرَدْت أَنْ تُعِينُوا فِيهَا ) كَذَا هُنَا مِنْ الْإِعَانَة , وَفِي رِوَايَة مُسْلِم عَنْ مُحَمَّد بْن الْمَثْنَى عَنْ أَبِي عَاصِم شَيْخ الْبُخَارِيّ فِيهِ " فَأَرَدْت أَنْ تَفْشُوَا فِيهِمْ " وَلِلْإِسْمَاعِيلِيِّ عَنْ أَبِي يَعْلَى عَنْ أَبِي خَيْثَمَةَ عَنْ أَبِي عَاصِم " فَأَرَدْت أَنْ تَقْسِمُوا فِيهِمْ كُلُوا وَأَطْعِمُوا وَادَّخِرُوا " قَالَ عِيَاض : الضَّمِير فِي تُعِينُوا فِيهَا لِلْمَشَقَّةِ الْمَفْهُومَة مِنْ الْجَهْد أَوْ مِنْ الشِّدَّة أَوْ مِنْ السَّنَة لِأَنَّهَا سَبَب الْجَهْد , وَفِي " تَفْشُوَا فِيهِمْ " أَيْ فِي النَّاس الْمُحْتَاجِينَ إِلَيْهَا , قَالَ فِي الْمَشَارِق : وَرِوَايَة الْبُخَارِيّ أَوْجَه , وَقَالَ فِي شَرْح مُسْلِم : وَرِوَايَة مُسْلِم أَشْبَه. قُلْت قَدْ عَرَفْت أَنَّ مَخْرَج الْحَدِيث وَاحِد وَمَدَاره عَلَى أَبِي عَاصِم وَأَنَّهُ تَارَة قَالَ هَذَا وَتَارَة قَالَ هَذَا , وَالْمَعْنَى فِي كُلّ صَحِيح فَلَا وَجْه لِلتَّرْجِيحِ.