أَوْرَدَ الْمُصَنِّف حَدِيث أَنَس الَّذِي تَقَدَّمَ شَرْحه فِي أَوَّل الْبَاب , وَفِيهِ أَنَّهُ سَقَاهُ خَلِيط بُسْر وَتَمْر , فَدَلَّ عَلَى : أَنَّ الْمُرَاد بِالنَّهْيِ عَنْ الْخَلِيطَيْنِ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَهُ قَبْل ذَلِكَ مِنْ خَلْط الْبُسْر بِالتَّمْرِ وَنَحْو ذَلِكَ , لِأَنَّ ذَلِكَ عَادَة يَقْتَضِي إِسْرَاع الْإِسْكَار بِخِلَافِ الْمُنْفَرِدَيْنِ , وَلَا يُمْكِن حَمْل حَدِيث أَنَس هَذَا فِي الْخَلِيطَيْنِ عَلَى مَا اِدَّعَاهُ صَاحِب التَّأْوِيل الْأَوَّل , وَحَمْل عِلَّة النَّهْي لِخَوْفِ الْإِسْرَاع أَظْهَر مِنْ حَمْلهَا عَلَى الْإِسْرَاف , لِأَنَّهُ لَا فَرْق بَيْن نِصْف رِطْل مِنْ تَمْر وَنِصْف رِطْل مِنْ بُسْر إِذَا خُلِطَا مَثَلًا , وَبَيْن رِطْل مِنْ زَبِيب صِرْف , بَلْ هُوَ أَوْلَى لِقِلَّةِ الزَّبِيب عِنْدهمْ إِذْ ذَاكَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى التَّمْر وَالرُّطَب , وَقَدْ وَقَعَ الْإِذْن بِأَنْ يُنْبَذ كُلّ وَاحِد عَلَى حِدَة , وَلَمْ يُفَرَّق بَيْن قَلِيل وَكَثِير , فَلَوْ كَانَتْ الْعِلَّة الْإِسْرَاف لَمَا أَطْلَقَ ذَلِكَ. وَحَكَى الطَّحَاوِيُّ فِي " اِخْتِلَاف الْعُلَمَاء " عَنْ اللَّيْث قَالَ : لَا أَرَى بَأْسًا أَنْ يُخْلَط نَبِيذ التَّمْر وَنَبِيذ الزَّبِيب ثُمَّ يُشْرَبَانِ جَمِيعًا , وَإِنَّمَا جَاءَ النَّهْي أَنْ يُنْبَذَا جَمِيعًا ثُمَّ يُشْرَبَانِ لِأَنَّ أَحَدهمَا يَشْتَدّ بِهِ صَاحِبه.
قَوْله : ( وَقَالَ عَمْرو بْن الْحَارِث حَدَّثَنَا قَتَادَة سَمِعَ أَنَسًا ) أَرَادَ بِهَذَا التَّعْلِيق بَيَان سَمَاع قَتَادَة , لِأَنَّهُ وَقَعَ فِي الرِّوَايَة الَّتِي سَاقَهَا قَبْل مُعَنْعَنًا , وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِم مِنْ طَرِيق اِبْن وَهْب عَنْ عَمْرو بْن الْحَارِث وَلَفْظه " نَهَى أَنْ يُخْلَط التَّمْر وَالزَّهْو ثُمَّ يُشْرَب , وَأَنَّ ذَلِكَ كَانَ عَامَّة خَمْرهمْ يَوْمئِذٍ " , وَهَذَا السِّيَاق أَظْهَر فِي الْمُرَاد الَّذِي حُمِلَتْ عَلَيْهِ لَفْظ التَّرْجَمَة وَاَللَّه أَعْلَم. وَقَوْله فِي الْإِسْنَاد الْأَوَّل " حَدَّثَنَا مُسْلِم " وَقَعَ فِي رِوَايَة النَّسَفِيّ " حَدَّثَنَا مُسْلِم بْن إِبْرَاهِيم " وَهِشَام هُوَ الدَّسْتُوَائِيّ.