انتقل إلى المحتوى
السبيل

الشرح القديم لـصحيح البخاري ⁦5611⁩

ابن حجر العسقلاني — فتح الباري

حَدِيث أَنَس فِي صَدَقَة أَبِي طَلْحَة لِقَوْلِهِ فِيهِ : " وَيَشْرَب مِنْ مَاء فِيهَا طَيِّب " وَقَدْ وَرَدَ فِي خُصُوص هَذَا اللَّفْظ - وَهُوَ اِسْتِعْذَاب الْمَاء - حَدِيث عَائِشَة رَضِيَ اللَّه عَنْهَا " كَانَ رَسُول اللَّه يُسْتَعْذَب لَهُ الْمَاء مِنْ بُيُوت السُّقْيَا " وَالسُّقْيَا بِضَمِّ الْمُهْمَلَة وَبِالْقَافِ بَعْدهَا تَحْتَانِيَّة قَالَ قُتَيْبَة : هِيَ عَيْن بَيْنهَا وَبَيْن الْمَدِينَة يَوْمَانِ , هَكَذَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ عَنْهُ بَعْد سِيَاق الْحَدِيث بِسَنَدٍ جَيِّد وَصَحَّحَهُ الْحَاكِم , وَفِي قِصَّة أَبِي الْهَيْثَم بْن التَّيْهَان أَنَّ اِمْرَأَته قَالَتْ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا جَاءَهُمْ يَسْأَل عَنْ أَبِي الْهَيْثَم " ذَهَبَ يَسْتَعْذِب لَنَا مِنْ الْمَاء " وَهُوَ عِنْد مُسْلِم كَمَا سَأُبَيِّنُهُ بَعْد , وَذَكَرَ الْوَاقِدِيّ مِنْ حَدِيث سَلْمَى اِمْرَأَة أَبِي رَافِع " كَانَ أَبُو أَيُّوب حِين نَزَلَ عِنْده النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُسْتَعْذَب لَهُ الْمَاء مِنْ بِئْر مَالِك بْن النَّضْر وَالِد أَنَس " ثُمَّ كَانَ أَنَس وَهِنْد وَحَارِثَة أَبْنَاء أَسْمَاء يَحْمِلُونَ الْمَاء إِلَى بُيُوت نِسَائِهِ مِنْ بُيُوت السُّقْيَا , وَكَانَ رَبَاح الْأَسْوَد عَبْده يَسْتَقِي لَهُ مِنْ بِئْر عُرُس مَرَّة وَمِنْ بُيُوت السُّقْيَا مَرَّة. قَالَ اِبْن بَطَّال : اِسْتِعْذَاب الْمَاء لَا يُنَافِي الزُّهْد وَلَا يَدْخُل فِي التَّرَفُّه الْمَذْمُوم , بِخِلَافِ تَطْيِيب الْمَاء بِالْمِسْكِ وَنَحْوه فَقَدْ كَرِهَهُ مَالِك لِمَا فِيهِ مِنْ السَّرَف , وَأَمَّا شُرْب الْمَاء الْحُلْو وَطَلَبه فَمُبَاح , فَقَدْ فَعَلَهُ الصَّالِحُونَ. وَلَيْسَ فِي شُرْب الْمَاء الْمِلْح فَضِيلَة , قَالَ : وَفِيهِ دَلَالَة عَلَى أَنَّ اِسْتِطَابَة الْأَطْعِمَة جَائِزَة وَأَنَّ ذَلِكَ مِنْ فِعْل أَهْل الْخَيْر , وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ قَوْله تَعَالَى : ( يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ ) نَزَلَ فِي الَّذِينَ أَرَادُوا الِامْتِنَاع مِنْ لَذَائِذ الْمَطَاعِم , قَالَ : وَلَوْ كَانَتْ مِمَّا لَا يُرِيد اللَّه تَنَاوُله مَا اِمْتَنَّ بِهَا عَلَى عِبَاده , بَلْ نَهْيه عَنْ تَحْرِيمهَا يَدُلّ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ مِنْهُمْ تَنَاوَلَهَا لِيُقَابِلُوا نِعْمَته بِهَا عَلَيْهِمْ بِالشُّكْرِ لَهَا , وَإِنْ كَانَتْ نِعَمه لَا يُكَافِئهَا شُكْرهمْ. وَقَالَ اِبْن الْمُنَيِّر : أَمَّا أَنَّ اِسْتِعْذَاب الْمَاء لَا يُنَافِي الزُّهْد وَالْوَرَع فَوَاضِح , وَأَمَّا الِاسْتِدْلَال بِذَلِكَ عَلَى لَذِيذ الْأَطْعِمَة فَبَعِيد. وَقَالَ اِبْن التِّين : هَذَا الْحَدِيث أَصْل فِي جَوَاز شُرْب الْمَاء مِنْ الْبُسْتَان بِغَيْرِ ثَمَن. قُلْت : الْمَأْذُون لَهُ فِي الدُّخُول فِيهِ لَا شَكَّ فِيهِ , وَأَمَّا غَيْره فَلِمَا اِقْتَضَاهُ الْعُرْف مِنْ الْمُسَامَحَة بِذَلِكَ , وَثُبُوت ذَلِكَ بِالْفِعْلِ الْمَذْكُور فِيهِ نَظَر.

قَوْله : " ذَلِكَ مَال رَايِح أَوْ رَابِح " الْأَوَّل بِتَحْتَانِيَّةٍ وَالثَّانِي بِمُوَحَّدَةٍ وَالْحَاء مُهْمَلَة فِيهِمَا , فَالْأَوَّل مَعْنَاهُ أَنَّ أَجْره يَرُوح إِلَى صَاحِبه أَيْ يَصِل إِلَيْهِ وَلَا يَنْقَطِع عَنْهُ , وَالثَّانِي : مَعْنَاهُ كَثِير الرِّبْح , وَأُطْلِقَ عَلَيْهِ صِفَة صَاحِبه الْمُتَصَدِّق بِهِ. وَقَوْله : " شَكَّ عَبْد اللَّه بْن مَسْلَمَة " هُوَ الْقَعْنَبِيّ , وَقَوْله : " قَالَ إِسْمَاعِيل " هُوَ اِبْن أَبِي أُوَيْس وَيَحْيَى هُوَ اِبْن يَحْيَى , وَرَايِح فِي رِوَايَتهمَا بِالتَّحْتَانِيَّةِ وَقَدْ تَقَدَّمَتْ رِوَايَة إِسْمَاعِيل مُصَرِّحًا فِيهَا بِالتَّحْدِيثِ فِي تَفْسِير آل عِمْرَان , وَرِوَايَة يَحْيَى بْن يَحْيَى كَذَلِكَ فِي الْوَكَالَة , وَتَقَدَّمَ شَرْح الْحَدِيث مُسْتَوْفًى فِي كِتَاب الْوَكَالَة.

العودة إلى الحديث

الاثنين، 12 أكتوبر 2026 1 جمادى الأولى 1448 هـ