قَوْله : ( حَدَّثَنَا يَحْيَى بْن يَحْيَى أَبُو زَكَرِيَّا ) هُوَ النَّيْسَابُورِيّ الْإِمَام الْمَشْهُور وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيّ سِوَى مَوَاضِع يَسِيرَة فِي الزَّكَاة وَالْوَكَالَة وَالتَّفْسِير وَالْأَحْلَام , وَأَكْثَرَ عَنْهُ مُسْلِم , وَيُقَال إِنَّهُ تَفَرَّدَ بِهَذَا الْإِسْنَاد وَإِنَّ أَحْمَد كَانَ يَتَمَنَّى لَوْ أَمْكَنَهُ الْخُرُوج إِلَى نَيْسَابُور لِيَسْمَع مِنْهُ هَذَا الْحَدِيث , وَلَكِنْ أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْم فِي " الْمُسْتَخْرَج " مِنْ وَجْهَيْنِ آخَرَيْنِ عَنْ سُلَيْمَان بْن بِلَال.
قَوْله : ( وَارَأْسَاهُ ) هُوَ تَفَجُّع عَلَى الرَّأْس لِشِدَّةِ مَا وَقَعَ بِهِ مِنْ أَلَم الصُّدَاع , وَعِنْد أَحْمَد وَالنَّسَائِيُّ وَابْن مَاجَهْ مِنْ طَرِيق عُبَيْد اللَّه بْن عَبْد اللَّه بْن عُتْبَة عَنْ عَائِشَة " رَجَعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ جِنَازَة مِنْ الْبَقِيع فَوَجَدَنِي وَأَنَا أَجِد صُدَاعًا فِي رَأْسِيّ وَأَنَا أَقُول : وَارَأْسَاهُ ".
قَوْله : ( ذَاكِ لَوْ كَانَ وَأَنَا حَيٌّ ) ذَاكِ بِكَسْرِ الْكَاف إِشَارَة إِلَى مَا يَسْتَلْزِم الْمَرَض مِنْ الْمَوْت , أَيْ لَوْ مُتّ وَأَنَا حَيَّ , وَيُرْشِد إِلَيْهِ جَوَاب عَائِشَة , وَقَدْ وَقَعَ مُصَرَّحًا بِهِ فِي رِوَايَة عُبَيْد اللَّه بْن عَبْد اللَّه بْن عُتْبَة وَلَفْظه " ثُمَّ قَالَ : مَا ضَرَّك لَوْ مُتّ قَبْلِي فَكَفَّنْتُك ثُمَّ صَلَّيْت عَلَيْك وَدَفَنْتُك " وَقَوْلهَا " وَاثُكْلَيَاه " بِضَمِّ الْمُثَلَّثَة وَسُكُون الْكَاف وَفَتْح اللَّام وَبِكَسْرِهَا مَعَ التَّحْتَانِيَّة الْخَفِيفَة وَبَعْد الْأَلِف هَاء لِلنُّدْبَةِ , وَأَصْل الثَّكَل فَقْد الْوَلَد أَوْ مَنْ يَعِزّ عَلَى الْفَاقِد , وَلَيْسَتْ حَقِيقَته هُنَا مُرَادَة , بَلْ هُوَ كَلَام كَانَ يَجْرِي عَلَى أَلْسِنَتهمْ عِنْد حُصُول الْمُصِيبَة أَوْ تَوَقُّعهَا. وَقَوْلهَا " وَاَللَّه إِنِّي لَأَظُنّك تُحِبّ مَوْتِي " كَأَنَّهَا أَخَذَتْ ذَلِكَ مِنْ قَوْله لَهَا " لَوْ مُتّ قَبْلِي " وَقَوْلهَا " وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ " فِي رِوَايَة الْكُشْمِيهَنِيّ " ذَاكَ " بِغَيْرِ لَامَ أَيْ مَوْتهَا " لَظَلِلْت آخِر يَوْمك مُعَرِّسًا " بِفَتْحِ الْعَيْن وَالْمُهْمَلَة وَتَشْدِيد الرَّاء الْمَكْسُورَة وَسُكُون الْعَيْن وَالتَّخْفِيف , يُقَال أَعْرَسَ وَعَرَّسَ إِذَا بَنَى عَلَى زَوْجَته , ثُمَّ اُسْتُعْمِلَ فِي كُلّ جِمَاع , وَالْأَوَّل أَشْهَر , فَإِنَّ التَّعْرِيس النُّزُول بِلَيْلٍ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة عُبَيْد اللَّه " لَكَأَنِّي بِك وَاَللَّه لَوْ قَدْ فَعَلْت ذَلِكَ لَقَدْ رَجَعْت إِلَى بَيْتِي فَأَعْرَسْت بِبَعْضِ نِسَائِك. قَالَتْ : فَتَبَسَّمَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَوْلهَا " بَلْ أَنَا وَارَأْسَاهُ " هِيَ كَلِمَة إِضْرَاب , وَالْمَعْنَى : دَعِي ذِكْر مَا تَجِدِينَهُ مِنْ وَجَع رَأْسك وَاشْتَغِلِي بِي , وَزَادَ فِي رِوَايَة عُبَيْد اللَّه " ثُمَّ بُدِئَ فِي وَجَعه الَّذِي مَاتَ فِيهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ".
قَوْله : ( لَقَدْ هَمَمْت أَوْ أَرَدْت ) شَكٌّ مِنْ الرَّاوِي , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة أَبِي نُعَيْم " أَوْ وَدِدْت " بَدَل " أَرَدْت ".
قَوْله : ( أَنْ أُرْسِل إِلَى أَبِي بَكْر وَابْنه ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِالْوَاوِ وَأَلِف الْوَصْل وَالْمُوَحَّدَة وَالنُّون , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة مُسْلِم " أَوْ اِبْنه " بِلَفْظِ أَوْ الَّتِي لِلشَّكِّ أَوْ لِلتَّخْيِيرِ , وَفِي أُخْرَى " أَوْ آتِيه " بِهَمْزَةٍ مَمْدُودَة بَعْدهَا مُثَنَّاة مَكْسُورَة ثُمَّ تَحْتَانِيَّة سَاكِنَة مِنْ الْإِتْيَان بِمَعْنَى الْمَجِيء , وَالصَّوَاب الْأَوَّل , وَنَقَلَ عِيَاض عَنْ بَعْض الْمُحَدِّثِينَ تَصْوِيبهَا وَخَطَأَهُ. وَقَالَ : وَيُوَضِّح الصَّوَاب قَوْلهَا فِي الْحَدِيث الْآخَر عِنْد مُسْلِم " ادْعِي لِي أَبَاك وَأَخَاك " وَأَيْضًا فَإِنَّ مَجِيئَهُ إِلَى أَبِي بَكْر كَانَ مُتَعَسِّرًا لِأَنَّهُ عَجَزَ عَنْ حُضُور الصَّلَاة مَعَ قُرْب مَكَانهَا مِنْ بَيْته. قُلْت : فِي هَذَا التَّعْلِيل نَظَر , لِأَنَّ سِيَاق الْحَدِيث يُشْعِر بِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي اِبْتِدَاء مَرَضه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَقَدْ اِسْتَمَرَّ يُصَلِّي بِهِمْ وَهُوَ مَرِيض وَيَدُور عَلَى نِسَائِهِ حَتَّى عَجَزَ عَنْ ذَلِكَ وَانْقَطَعَ فِي بَيْت عَائِشَة. وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " لَقَدْ هَمَمْت إِلَخْ " وَقَعَ بَعْد الْمُفَاوَضَة الَّتِي وَقَعَتْ بَيْنه وَبَيْن عَائِشَة بِمُدَّةٍ , وَإِنْ كَانَ ظَاهِر الْحَدِيث بِخِلَافِهِ. وَيُؤَيِّد أَيْضًا مَا فِي الْأَصْل أَنَّ الْمَقَام كَانَ مَقَام اِسْتِمَالَة قَلْب عَائِشَة , فَكَأَنَّهُ يَقُول : كَمَا أَنَّ الْأَمْر يُفَوَّض لِأَبِيك فَإِنَّ ذَلِكَ يَقَع بِحُضُورِ أَخِيك , هَذَا إِنْ كَانَ الْمُرَاد بِالْعَهْدِ الْعَهْد بِالْخِلَافَةِ , وَهُوَ ظَاهِر السِّيَاق كَمَا سَيَأْتِي تَقْرِيره فِي كِتَاب الْأَحْكَام إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى , وَإِنْ كَانَ لِغَيْرِ ذَلِكَ فَلَعَلَّهُ أَرَادَ إِحْضَار بَعْض مَحَارِمهَا حَتَّى لَوْ اِحْتَاجَ إِلَى قَضَاء حَاجَة أَوْ الْإِرْسَال إِلَى أَحَد لَوَجَدَ مَنْ يُبَادِر لِذَلِكَ.
قَوْله : ( فَأَعْهَد ) أَيْ أُوصِي.
قَوْله : ( أَنْ يَقُول الْقَائِلُونَ ) أَيْ لِئَلَّا يَقُول , أَوْ كَرَاهَة أَنْ يَقُول.
قَوْله : ( أَوْ يَتَمَنَّى الْمُتَمَنُّونَ ) بِضَمِّ النُّون جَمْع مُتَمَنِّي بِكَسْرِهَا , وَأَصْل الْجَمْع المُتَمَنِّيُونَ فَاسْتُثْقِلَتْ الضَّمَّة عَلَى الْيَاء فَحُذِفَتْ فَاجْتُمِعْت كَسْرَة النُّون بَعْدهَا الْوَاو فَضُمَّتْ النُّون , وَفِي الْحَدِيث مَا طُبِعَتْ عَلَيْهِ الْمَرْأَة مِنْ الْغَيْرَة , وَفِيهِ مُدَاعَبَة الرَّجُل أَهْله وَالْإِفْضَاء إِلَيْهِمْ بِمَا يَسْتُرهُ عَنْ غَيْرهمْ , وَفِيهِ أَنَّ ذِكْر الْوَجَع لَيْسَ بِشِكَايَةٍ , فَكَمْ مِنْ سَاكِت وَهُوَ سَاخِط , وَكَمْ مِنْ شَاكّ وَهُوَ رَاضٍ , فَالْمُعَوَّل فِي ذَلِكَ عَلَى عَمَل الْقَلْب لَا عَلَى نُطْق اللِّسَان , وَاَللَّه أَعْلَم.