انتقل إلى المحتوى
السبيل

الشرح القديم لـصحيح البخاري ⁦5677⁩

ابن حجر العسقلاني — فتح الباري

سَاقَ الْمُصَنِّف فِي الْبَاب حَدِيث عَائِشَة " لَمَّا قَدِمَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَة وُعِكَ أَبُو بَكْر وَبِلَال " وَوَقَعَ فِيهِ ذِكْر الْحُمَّى وَلَمْ يَقَع فِي سِيَاقه لَفْظ الْوَبَاء , لَكِنَّهُ تَرْجَمَ بِذَلِكَ إِشَارَة إِلَى مَا وَقَعَ فِي بَعْض طُرُقه , وَهُوَ مَا سَبَقَ فِي أَوَاخِر الْحَجّ مِنْ طَرِيق أَبِي أُسَامَة عَنْ هِشَام بْن عُرْوَة فِي حَدِيث الْبَاب " قَالَتْ عَائِشَة : فَقَدِمْنَا الْمَدِينَة وَهِيَ أَوْبَأُ أَرْض اللَّه " وَهَذَا مِمَّا يُؤَيِّد أَنَّ الْوَبَاء أَعَمّ مِنْ الطَّاعُون , فَإِنَّ وَبَاء الْمَدِينَة مَا كَانَ إِلَّا بِالْحُمَّى كَمَا هُوَ مُبَيَّن فِي حَدِيث الْبَاب , فَدَعَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُنْقَل حُمَّاهَا إِلَى الْجُحْفَة , وَقَدْ سَبَقَ شَرْح الْحَدِيث فِي " بَاب مَقْدَم النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَة " فِي أَوَائِل كِتَاب الْمَغَازِي , وَيَأْتِي شَيْء مِمَّا يَتَعَلَّق بِهِ فِي كِتَاب الدَّعَوَات إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. وَقَدْ اِسْتَشْكَلَ بَعْض النَّاس الدُّعَاء بِرَفْعِ الْوَبَاء لِأَنَّهُ يَتَضَمَّن الدُّعَاء بِرَفْعِ الْمَوْت وَالْمَوْت حَتْم مَقْضِيّ فَيَكُون ذَلِكَ عَبَثًا , وَأُجِيبَ بِأَنَّ ذَلِكَ لَا يُنَافِي التَّعَبُّد بِالدُّعَاءِ لِأَنَّهُ قَدْ يَكُون مِنْ جُمْلَة الْأَسْبَاب فِي طُول الْعُمْر أَوْ رَفْع الْمَرَض , وَقَدْ تَوَاتَرَتْ الْأَحَادِيث بِالِاسْتِعَاذَةِ مِنْ الْجُنُون وَالْجُذَام وَسَيِّئ الْأَسْقَام وَمُنْكَرَات الْأَخْلَاق وَالْأَهْوَاء وَالْأَدْوَاء , فَمَنْ يُنْكِر التَّدَاوِي بِالدُّعَاء يَلْزَمهُ أَنْ يُنْكِر التَّدَاوِي بِالْعَقَاقِيرِ وَلَمْ يَقُلْ بِذَلِكَ إِلَّا شُذُوذ , وَالْأَحَادِيث الصَّحِيحَة تَرُدّ عَلَيْهِمْ , وَفِي الِالْتِجَاء إِلَى الدُّعَاء مَزِيد فَائِدَة لَيْسَتْ فِي التَّدَاوِي بِغَيْرِهِ , لِمَا فِيهِ مِنْ الْخُضُوع وَالتَّذَلُّل لِلرَّبِّ سُبْحَانه , بَلْ مَنْع الدُّعَاء مِنْ جِنْس تَرْك الْأَعْمَال الصَّالِحَة اِتِّكَالًا عَلَى مَا قُدِّرَ , فَيَلْزَم تَرْك الْعَمَل جُمْلَة , وَرَدّ الْبَلَاء بِالدُّعَاءِ كَرَدِّ السَّهْم بِالتُّرْسِ , وَلَيْسَ مِنْ شَرْط الْإِيمَان بِالْقَدْرِ أَنْ لَا يَتَتَرَّس مِنْ رَمْي السَّهْم , وَاَللَّه أَعْلَم. ( خَاتِمَة ) : اِشْتَمَلَ كِتَاب الْمَرْضَى مِنْ الْأَحَادِيث الْمَرْفُوعَة عَلَى ثَمَانِيَة وَأَرْبَعِينَ حَدِيثًا , الْمُعَلَّق مِنْهَا سَبْعَة وَالْبَقِيَّة مَوْصُولَة , الْمُكَرَّر مِنْهَا فِيهِ وَفِيمَا مَضَى أَرْبَعَة وَثَلَاثُونَ طَرِيقًا وَالْبَقِيَّة خَالِصَة , وَافَقَهُ مُسْلِم عَلَى تَخْرِيجهَا سِوَى حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة " مَنْ يُرِدْ اللَّه بِهِ خَيْرًا يُصِبْ مِنْهُ " وَحَدِيث عَطَاء أَنَّهُ رَأَى أُمّ زُفَر , وَحَدِيث أَنَس فِي الْحَبِيبَتَيْنِ , وَحَدِيث عَائِشَة أَنَّهَا " قَالَتْ وَارَأْسَاهُ - إِلَى قَوْله - بَلْ أَنَا وَارَأْسَاهُ ". وَفِيهِ مِنْ الْآثَار عَنْ الصَّحَابَة فَمَنْ بَعْدهمْ ثَلَاثَة آثَار , وَاَللَّه أَعْلَم.

العودة إلى الحديث

الأحد، 11 أكتوبر 2026 30 ربيع الآخر 1448 هـ