قَوْله فِي حَدِيث عَائِشَة ( كُنَّ ) قَالَ الْكَرْمَانِيُّ : هُوَ مِثْلُ أَكَلُونِي الْبَرَاغِيثُ لِأَنَّ قِيَاسَهُ الْإِفْرَادُ وَقَدْ جُمِعَ.
قَوْلُهُ : ( نِسَاءُ الْمُؤْمِنَاتِ ) تَقْدِيرُهُ نِسَاءُ الْأَنْفُسِ الْمُؤْمِنَات أَوْ نَحْوهَا ذَلِكَ حَتَّى لَا يَكُونَ مِنْ إِضَافَة الشَّيْء إِلَى نَفْسه , وَقِيلَ إِنَّ " نِسَاءَ " هُنَا بِمَعْنَى الْفَاضِلَات أَيْ فَاضِلَات الْمُؤْمِنَات كَمَا يُقَال رِجَالُ الْقَوْمِ أَيْ فُضَلَاؤُهُمْ.
قَوْله : ( يَشْهَدْنَ ) أَيْ يَحْضُرْنَ , وَ
قَوْله : ( لَا يَعْرِفُهُنَّ أَحَدٌ ) قَالَ الدَّاوُدِيُّ : مَعْنَاهُ لَا يُعْرَفْنَ أَنِسَاءٌ أَمْ رِجَالٌ , أَيْ لَا يَظْهَرُ لِلرَّائِي إِلَّا الْأَشْبَاحُ خَاصَّةً , وَقِيلَ لَا يُعْرَفُ أَعْيَانُهُنَّ فَلَا يُفَرَّق بَيْن خَدِيجَة وَزَيْنَب , وَضَعَّفَهُ النَّوَوِيُّ بِأَنَّ الْمُتَلَفِّعَةَ فِي النَّهَار لَا تُعْرَفُ عَيْنُهَا فَلَا يَبْقَى فِي الْكَلَام فَائِدَةٌ , وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الْمَعْرِفَة إِنَّمَا تَتَعَلَّق بِالْأَعْيَانِ , فَلَوْ كَانَ الْمُرَاد الْأَوَّل لَعَبَّرَ بِنَفْيِ الْعِلْم , وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ أَنَّ الْمُتَلَفِّعَةَ بِالنَّهَارِ لَا تُعْرَفُ عَيْنُهَا فِيهِ نَظَرٌ , لِأَنَّ لِكُلِّ اِمْرَأَةٍ هَيْئَةٌ غَيْرُ هَيْئَةِ الْأُخْرَى فِي الْغَالِبِ وَلَوْ كَانَ بَدَنُهَا مُغَطًّى. وَقَالَ الْبَاجِيُّ : هَذَا يَدُلّ عَلَى أَنَّهُنَّ كُنَّ سَافِرَاتٍ إِذْ لَوْ كُنَّ مُتَنَقِّبَاتٍ لَمَنَعَ تَغْطِيَةُ الْوَجْهِ مِنْ مَعْرِفَتِهِنَّ لَا الْغَلَسُ. قُلْت : وَفِيهِ مَا فِيهِ , لِأَنَّهُ مَبْنِيّ عَلَى الِاشْتِبَاه الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ النَّوَوِيُّ , وَأَمَّا إِذَا قُلْنَا إِنَّ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ هَيْئَةً غَالِبًا فَلَا يَلْزَم مَا ذُكِرَ. وَاَللَّه أَعْلَم.
قَوْله : ( مُتَلَفِّعَاتٍ ) تَقَدَّمَ شَرْحُهُ , ( وَالْمُرُوطُ ) جَمْعُ مِرْطٍ بِكَسْرِ الْمِيم وَهُوَ كِسَاءٌ مُعَلَّمٌ مِنْ خَزٍّ أَوْ صُوف أَوْ غَيْر ذَلِكَ , وَقِيلَ لَا يُسَمَّى مِرْطًا إِلَّا إِذَا كَانَ أَخْضَرَ وَلَا يَلْبَسُهُ إِلَّا النِّسَاءُ , وَهُوَ مَرْدُودٌ بِقَوْلِهِ مِرْطٌ مِنْ شَعْرٍ أَسْوَدَ.
قَوْلُهُ : ( يَنْقَلِبْنَ ) أَيْ يَرْجِعْنَ.
قَوْله : ( مِنْ الْغَلَسِ ) مِنْ اِبْتِدَائِيَّةٌ أَوْ تَعْلِيلِيَّةٌ , وَلَا مُعَارَضَةَ بَيْن هَذَا وَبَيْن حَدِيث بَرْزَةَ السَّابِقِ أَنَّهُ كَانَ يَنْصَرِفُ مِنْ الصَّلَاة حِين يَعْرِفُ الرَّجُلُ جَلِيسَهُ , لِأَنَّ هَذَا إِخْبَارٌ عَنْ رُؤْيَةِ الْمُتَلَفِّعَةِ عَلَى بُعْدٍ , وَذَاكَ إِخْبَارٌ عَنْ رُؤْيَةِ الْجَلِيسِ. وَفِي الْحَدِيثِ اِسْتِحْبَابُ الْمُبَادَرَةِ بِصَلَاةِ الصُّبْحِ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ وَجَوَازُ خُرُوجِ النِّسَاءِ إِلَى الْمَسَاجِد لِشُهُودِ الصَّلَاة فِي اللَّيْل , وَيُؤْخَذُ مِنْهُ جَوَازُهُ فِي النَّهَارِ مِنْ بَاب أَوْلَى لِأَنَّ اللَّيْلَ مَظِنَّةُ الرِّيبَةِ أَكْثَرَ مِنْ النَّهَارِ , وَمَحَلُّ ذَلِكَ إِذَا لَمْ يُخْشَ عَلَيْهِنَّ أَوْ بِهِنَّ فِتْنَةٌ , وَاسْتَدَلَّ بِهِ بَعْضهمْ عَلَى جَوَازِ صَلَاة الْمَرْأَة مُخْتَمِرَةَ الْأَنْفِ وَالْفَمِ , فَكَأَنَّهُ جَعَلَ التَّلَفُّعَ صِفَةً لِشُهُودِ الصَّلَاة. وَتَعَقَّبَهُ عِيَاضٌ بِأَنَّهَا إِنَّمَا أَخْبَرَتْ عَنْ هَيْئَةِ الِانْصِرَافِ , وَاَللَّه أَعْلَم.